من المعارضة الإلكترونية إلى الإرهاب: تجريم حرية التعبير عبر الأطر الأمنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
1. المقدمة
تُستخدم قوانين وتدابير وخطابات الأمن ومكافحة الإرهاب بصورة منهجية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتقييد الحيّز المدني واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنشطاء والمواطنين العاديين بسبب دفاعهم السلمي عن حقوق الإنسان أو تعبيرهم عن آراء ناقدة لسياسات الدولة وسلطاتها. وفيما تسارع اعتماد هذه الأطر عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، ترسّخت وازدادت تشدداً بشكلٍ خاص بعد انتفاضات عام 2011، التي شهدت موجات من الاحتجاجات السلمية المطالِبة بالإصلاح السياسي واحترام حقوق الإنسان. وقد ردّت سلطات الدول في مختلف أنحاء المنطقة عبر التضييق على الحيّز المدني الذي سعت تلك الانتفاضات إلى توسيعه، وجرى ذلك التضييق من خلال توسيع أطر مكافحة الإرهاب والأمن القومي وتوظيفها كأدوات للقمع بهدف تجريم المعارضة السلمية.
ويتمثل أحد الأبعاد البارزة لهذا القمع في الاستهداف المنهجي للتعبير عبر الإنترنت. فمع تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى أداة محورية لممارسة حرية التعبير والدفاع عن حقوق الإنسان والتعبير عن الآراء المعارضة والناقدة، سارعت السلطات إلى تجريم هذه الممارسات عبر توظيف تعريفات فضفاضة ومفرطة الاتساع تتعلق بالأمن والإرهاب والجرائم الإلكترونية، ومنح أجهزة الأمن والاستخبارات والمحاكم الاستثنائية سلطات غير خاضعة للرقابة لإعادة توصيف منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، والرسائل الخاصة، والوسوم، ومقاطع الفيديو المنشورة على الإنترنت باعتبارها أعمال إرهابية أو جرائم أمنية. وقد خلّفت هذه الأطر كلفة إنسانية باهظة، إذ تعرّض أفراد في مختلف أنحاء المنطقة للملاحقة القضائية والتعذيب والإخفاء القسري وأحكام بالسجن لسنوات طويلة أو لعقود بسبب تعبير يندرج ضمن الحماية التي يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وما يثير القلق إزاء هذه الظاهرة بصورة خاصة ليس فقط ملاحقة الأفراد بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو وسم أو رسالة خاصة، بل أيضاً تعمّد تجريم أشكال التعبير السلمي المحمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان باعتبارها جرائم إرهاب أو جرائم تمسّ الأمن. فعلى خلاف الملاحقات الجنائية العادية، تفضي أطر مكافحة الإرهاب والأمن القومي إلى مجموعة متميزة وأكثر قسوة من التداعيات، تشمل عقوبات أشد بكثير قد تصل، في بعض الحالات، إلى السجن لعقود أو إلى عقوبة الإعدام؛ والمحاكمة أمام محاكم متخصصة أو عسكرية أو استثنائية تفتقر إلى ضمانات الاستقلال والحياد القضائي المطلوبة بموجب القانون الدولي؛ وتقييد أو حرمان شديد من الحق في الاستعانة بمحام؛ واحتجاز مطوّل بمعزل عن العالم الخارجي؛ ومنح سلطات تقديرية واسعة للأجهزة الأمنية والاستخباراتية العاملة تحت السلطة التنفيذية مع رقابة قضائية محدودة. وإضافة إلى ذلك، تحمل صفة “الإرهاب” وصمة اجتماعية وسياسية يمكن استخدامها لنزع الشرعية عن المستهدفين وعزلهم وتبرير اتخاذ تدابير إضافية بحقهم وبحق عائلاتهم.
وفي هذا السياق، يركّز هذا التقرير على الجزائر والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث أصبح الاستغلال المتعمّد لأطر مكافحة الإرهاب والأمن القومي سمة أساسية في كيفية قمع السلطات لحرية التعبير، بما في ذلك وعلى نحو متزايد التعبير عبر الإنترنت. كما يتناول التقرير فلسطين، حيث يرتكز الاستهداف المنهجي الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية ضد التعبير الفلسطيني على سياسة طويلة الأمد من التمييز ضد الفلسطينيين، تفاقمت بصورة خاصة منذ أكتوبر 2023 وفي سياق الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة.
ويكشف التقرير كيف أن سلطات الدول في المنطقة شيّدت وسخّرت أطرًا قانونية ومؤسساتية صُممت خصيصاً لتجريم المعارضة السلمية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي. كما يستعرض التشريعات المتعلقة بمكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية والأمن التي تُستخدم لتحقيق هذا الهدف، مبيّناً وجود نمط متكرر من التعريفات الغامضة والمفرطة في العمومية للإرهاب والأخبار الكاذبة والجرائم الأمنية، بما لا يتوافق مع مبدأ الشرعية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويمنح السلطات صلاحيات تقديرية واسعة لملاحقة أشكال التعبير المحمية. ويكشف التقرير كذلك البنية المؤسساتية التي تنفّذ هذه الأطر التعسفية، بما في ذلك الأجهزة الأمنية والمحاكم الاستثنائية والعسكرية وأجهزة الادعاء العام التي تعمل خارج ضمانات الاستقلال والحياد القضائي، والمصممة لترك الأفراد أمام حماية قانونية أضعف وتمكين القمع تحت غطاء الشرعية القانونية. واستناداً إلى معايير واستنتاجات خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، بمن فيهم أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة وهيئات المعاهدات، فضلاً عن توثيق منظمات المجتمع المدني وشهادات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، يقيّم التقرير هذه الأطر بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ولتوضيح كيفية عمل هذه المنظومة على أرض الواقع، يوثّق التقرير حالة رمزية من كل سياق من السياقات المذكورة: علي معمري، وهو قيادي نقابي وناشط في "الحراك" بالجزائر، حُكم عليه بالسجن 15 عاماً، خُفّضت لاحقاً إلى 10 سنوات في الاستئناف، بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل خاصة وتفاعلات إلكترونية جرى توصيفها باعتبارها إرهاباً؛ وكميل الزعبي، وهو ناشط سياسي أردني اعتقل مرات عدة وتمت ملاحقته بشكلٍ متكرر بموجب قانون الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات بسبب منشورات انتقد فيها السلطات عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ومناهل العتيبي، وهي مدربة لياقة بدنية وصاحبة مدونة إلكترونية سعودية عُرفت بدفاعها عن حقوق المرأة، حُكم عليها بالسجن 11 عاماً بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب بسبب نشاطها السلمي على وسائل التواصل الاجتماعي؛ وعبد الرحمن القرضاوي، وهو شاعر وناشط مصري-تركي، جرى تسليمه من لبنان وتعرّض للإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي في الإمارات العربية المتحدة عقب نشره مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي انتقد فيه حكومات في المنطقة؛ وياسمين قدورة، وهي واحدة من مئات الفلسطينيين الذين استهدفتهم السلطات الإسرائيلية بسبب تعبيرهم عبر الإنترنت، حيث اعتُقلت قدورة وخضعت للملاحقة القضائية بسبب نشر حالة على تطبيق واتساب.
2. الإطار القانوني الدولي
2.1 الحق في حرية التعبير بموجب القانون الدولي والإقليمي
يحظى الحق في حرية التعبير بالحماية بموجب المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تُعدّ الجزائر وإسرائيل والأردن أطرافاً فيه. وتنص المادة 19(2) على أن لكل إنسان حق في حرية التعبير، بما يشمل حرية التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين، دونما اعتبار للحدود، وبأية وسيلة كانت. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في تعليقها العام رقم 34 بشأن المادة 19، أن هذا الحق يمتد إلى الخطاب السياسي، والتعليق على الشؤون العامة، والعمل الصحفي، وأشكال التعبير الإلكترونية والقائمة على الإنترنت. كما شددت اللجنة على أن حرية التعبير تُعد شرطاً أساسياً لإعمال مبادئ الشفافية والمساءلة، التي تُعتبر بدورها ضرورية لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها.
وتنص المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على القيد الإلزامي الوحيد على حرية التعبير، إذ تُلزم الدول بحظر الدعاية للحرب والدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف. وخارج هذه الفئة الضيقة، يجب أن تمتثل أي قيود على حرية التعبير لاختبار الأجزاء الثلاثة الصارم المنصوص عليه في المادة 19(3)، والذي يشكل المعيار المعتمد في القانون الدولي لحقوق الإنسان لتقييم مشروعية أي قيد على حرية التعبير.
ويحمي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أيضًا الحق في حرية الرأي والتعبير بموجب المادة 19 منه، بما في ذلك حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، وحرية استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها إلى الآخرين بأية وسيلة. ويُعترف على نطاق واسع بأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يعكس قواعد القانون الدولي العرفي، ما يجعل الحماية التي يكرسها واجبة التطبيق على جميع الدول بصرف النظر عن المعاهدات التي صادقت عليها.
وعلى المستوى الإقليمي، يكفل الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته جامعة الدول العربية عام 2004 ودخل حيّز النفاذ عام 2008، الحق في الحصول على المعلومات وحرية الرأي والتعبير بموجب المادة 32 منه. وتُعدّ الجزائر والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة جميعها أطرافاً في الميثاق العربي. وتنص المادة 32(1) من الميثاق على ضمان حرية الرأي والحق في استقاء الأنباء باعتبارهما حقين مكفولين بمختلف وسائل التعبير. كما تنص المادة 32(2) على أنه لا يجوز تقييد هذه الحقوق والحريات إلا بموجب القانون، وفي الحدود الضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو لحماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
2.2. القيود المسموح بها على حرية التعبير: اختبار الأجزاء الثلاثة
بموجب المادة 19(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يجب أن يستوفي أي قيد على حرية التعبير ثلاثة شروط تراكمية، يتعين تحققها جميعاً حتى يكون القيد مشروعاً. ويؤدي عدم استيفاء أي واحدٍ من هذه الشروط إلى اعتبار القيد انتهاكاً للقانون الدولي.
الشرط الأول هو الشرعية: أي أن يكون القيد منصوصاً عليه في القانون. ولا يقتصر هذا الشرط على مجرد وجود نص قانوني، بل يتطلب أيضاً أن تكون صياغة القانون دقيقة وواضحة بما يكفي لتمكين الأفراد من تنظيم سلوكهم على أساسها. ويوضح التعليق العام رقم 34 أن القوانين الغامضة أو المفرطة في العمومية لا تستوفي هذا الشرط، لأنها لا تتيح للأفراد توقّع والتأكّد من نوع التعبير الذي قد يعرّضهم للمساءلة القانونية.
أما الشرط الثاني فهو الهدف المشروع: إذ يجب أن يخدم القيد أحد الأغراض الواردة حصراً في المادة 19(3)، وهي احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. وهذه القائمة حصرية، ولا يجوز تبرير القيود بأهداف تقع خارجها مهما بدت مبررات الحكومة مقنعة. ومن المهم التأكيد أن مجرد التذرّع بأحد هذه الأغراض، بما في ذلك الأمن القومي، لا يكفي بحد ذاته. فقد أوضح التعليق العام رقم 34 أن مفهوم «الأمن القومي» يشير تحديداً إلى حماية الاستقلال السياسي للدولة أو سلامتها الترابية، وأن على الدولة التي تستند إليه أن تُثبت، بصورة محددة وفردية، الطبيعة الدقيقة للتهديد وضرورة وتناسب الإجراء المتخذ، ولا سيما من خلال إقامة صلة مباشرة وفورية بين التعبير والتهديد. كما حذّرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان صراحة من أن استخدام الأمن القومي أو أحكام مشابهة لملاحقة الصحفيين أو الباحثين أو المدافعين عن حقوق الإنسان أو غيرهم بسبب توزيع معلومات ذات مصلحة عامة مشروعة يتعارض مع المادة 19(3).
أما الشرط الثالث فهو الضرورة والتناسب: أي أن يكون القيد ضرورياً لتحقيق الهدف المشروع وألا يكون مفرط الاتساع. ويؤكد التعليق العام رقم 34 بوضوح أن القيد لا يستوفي شرط الضرورة إلا إذا تعذر تحقيق الهدف المشروع بوسائل أخرى لا تقيّد حرية التعبير.
2.3 أطر مكافحة الإرهاب والأمن وحرية التعبير
أكد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي تُعد قراراته ملزمة لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ولا سيما في القرار 1624 (2005) والقرارات اللاحقة بما فيها القرار 2178 (2014) والقرار 2617 (2021)، أن الدول مُلزَمة بضمان امتثال جميع التدابير المتخذة لمكافحة الإرهاب لالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للاجئين والقانون الدولي الإنساني.
وقد طوّر المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب، عبر أصحاب الولايات المتعاقبين، تعريفاً نموذجياً للإرهاب يهدف إلى توجيه الدول عند صياغة تشريعات تتوافق مع حقوق الإنسان. وقد طُرح هذا التعريف النموذجي لأول مرة عام 2010، ثم جرى تحديثه عام 2026 لحصر مفهوم الإرهاب في الأفعال الإجرامية الجسيمة التي تتسبب عمداً في الوفاة أو الإصابة الجسدية الخطيرة أو أخذ الرهائن، والتي تُرتكب بقصد محدد يتمثل في إثارة حالة من الرعب بين السكان أو مجموعة من الأشخاص، أو إرغام حكومة أو منظمة دولية بصورة غير مشروعة على القيام بعمل أو الامتناع عنه، مع وجود نية لخدمة غرض سياسي أو أيديولوجي. ويستبعد التعريف النموذجي صراحةً من نطاقه أعمال المناصرة أو الاحتجاج أو المعارضة أو النشاط النقابي التي لا تتسبب عمداً في الوفاة أو الإصابة الجسدية الخطيرة. ويعيد المقرر الخاص التأكيد في التقرير نفسه على أن التعريفات الغامضة والمفرطة في العمومية تُعد من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان شيوعاً في سياقات مكافحة الإرهاب، مشيراً إلى أنها عُرضة لكلٍّ من العواقب غير المقصودة وسوء الاستخدام المتعمّد، وأنها كثيراً ما أدت إلى انتهاكات لحرية التعبير وأثقلت كاهل المجتمع المدني، بما في ذلك المدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون والمعارضون السياسيون.
ومن السمات المتكررة الغامضة والمبهمة في الأطر القانونية المتعلقة بمكافحة الإرهاب والأمن، والتي تهدد حرية التعبير عبر الإنترنت وخارجه، تجريم "الأخبار الكاذبة" أو "المعلومات الكاذبة" أو "الشائعات". ويؤكد الإعلان المشترك لعام 2017 بشأن حرية التعبير و«الأخبار الزائفة» والمعلومات المضللة والدعاية، الصادر بصورة مشتركة عن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير وآليات حرية التعبير الإقليمية، أن الحظر العام على توزيع المعلومات استناداً إلى مفاهيم غامضة وملتبسة، بما في ذلك "الأخبار الكاذبة" أو "المعلومات غير الموضوعية"، يتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بالقيود على حرية التعبير، وينبغي إلغاؤه.
وقد عززت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان هذه المعايير في مذكرتها التوجيهية لعام 2025 بشأن تعريف الإرهاب في التشريعات الجنائية الوطنية، وفي مجموعة الأدوات لعام 2024 بشأن تعزيز حقوق الإنسان في استراتيجية وسياسة مكافحة الإرهاب، محذّرةً من العناصر الغامضة في التشريع، مثل «تقويض النظام الاجتماعي» أو «الإضرار بالوحدة الوطنية»، التي توسّع نطاق جرائم الإرهاب ليشمل سلوكاً محمياً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما حذّرت من أن القوانين التي تُجرّم «التشجيع» أو «التمجيد» أو «الإشادة» أو «تبرير» الإرهاب تنطوي على خطر التدخل غير المبرر في حرية التعبير.
كما ينص الإعلان المشترك لعام 2008 بشأن تشويه صورة الأديان وتشريعات مكافحة الإرهاب ومكافحة التطرف، الصادر بصورة مشتركة عن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير وآليات حرية التعبير الإقليمية، على أن تعريف الإرهاب، على الأقل في سياق القيود المفروضة على حرية التعبير، ينبغي أن يقتصر على الجرائم العنيفة، وأنه لا ينبغي تجريم مفاهيم مبهمة مثل تقديم «دعم اتصالي» للإرهاب أو التطرف، أو «تمجيد أو ترويج» الإرهاب أو التطرف، أو «مجرد تكرار تصريحات الإرهابيين.»
كما تؤكد اللجنة المعنية بحقوق الإنسان تحديداً أن القوانين التي تُجرّم أفعالاً مثل «التشجيع على الإرهاب» أو «الإشادة» أو «التمجيد» أو «تبرير الإرهاب يجب أن تكون «دقيقة لضمان ألا تؤدي إلى تدخل غير ضروري أو غير متناسب في حرية التعبير.»
3. الجزائر
دأبت السلطات في الجزائر على استغلال تشريعات مكافحة الإرهاب والأمن القومي ذات الصياغات الفضفاضة لملاحقة الأفراد بسبب المعارضة السلمية، مستهدفةً المحتجين والصحفيين المستقلين والمدافعين عن حقوق الإنسان ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. وقد برز هذا النمط بصورة خاصة عقب انطلاق حركة «الحراك» الاحتجاجية في فبراير2019، التي تخللتها مظاهرات حاشدة في مختلف أنحاء الجزائر مطالِبةً بالإصلاح السياسي. وبدلاً من الاستجابة لهذه المطالب، ردّت السلطات بحملة قمع واسعة، سخّرت خلالها تشريعات مكافحة الإرهاب لإسكات الأصوات المنتقدة. ووفقاً للمدافع البارز عن حقوق الإنسان وسجين الرأي السابق زكريا حناش، قامت السلطات بسجن أكثر من 1400 شخص لأغراضٍ سياسية منذ انطلاق «الحراك».
وعلى خلاف عدد من الدول الأخرى التي يتناولها هذا التقرير، ليس لدى الجزائر نظاماً قضائياً استثنائياً منفصلاً أو محكمة متخصصة للنظر في الجرائم المتعلقة بالإرهاب والأمن، إذ ينظر بهذه التهم أمام المحاكم الجنائية العادية. غير أن غياب مثل هذا الإطار المتخصص لا يحول دون تعرّض الأفراد للعواقب القاسية الناجمة عن ملاحقتهم بموجب أحكام مكافحة الإرهاب، التي تنص على عقوبات بالغة الشدة تتجاوز بصورة منهجية العقوبات المقررة في القانون الجنائي العادي، حيث تصل عقوبة جرائم مثل «الإشادة بالإرهاب» إلى السجن لمدة تصل إلى عشر سنوات، فيما تُعاقَب جرائم إرهابية أخرى بالسجن المؤبد أو بالإعدام. و استُخدمت هذه الأحكام فعليًا ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنقابيين والنشطاء السلميين لمجرد ممارستهم حقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت، بما في ذلك من خلال منشور على فيسبوك أو رسالة خاصة أو تفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويستند الإطار القانوني الذي يتيح هذا القمع أساساً إلى ثلاثة نصوص: قانون العقوبات، الذي جرى توسيع تعريف الإرهاب فيه بشكل كبير عبر تعديلات متعاقبة في عامي 2021 و 2024؛ وقانون الإعلام لعام 2023؛ والأمر الصادر عام 2021 بشأن حماية المعلومات والوثائق الإدارية. وقد أوجدت هذه النصوص بيئة يمكن فيها ملاحقة منشور على وسائل التواصل الاجتماعي ينتقد السياسات الحكومية باعتباره عملاً إرهابياً تصل عقوبته إلى السجن عشر سنوات، كما يمكن أن يؤدي نشر معلومات تصنفها السلطات على أنها سرية أو محظورة إلى عقوبات بالسجن تتراوح بين خمس وخمس عشرة سنة، في حين يمكن أن يشكل مجرد مشاركة محتوى على الإنترنت أو «الإعجاب» به جريمة «الإشادة بالإرهاب».
3.1 الإطار القانوني والمؤسساتي
3.1.1 قانون العقوبات
أصبح قانون العقوبات الجزائري الأداة الرئيسية التي تستخدمها السلطات لتجريم التعبير السلمي عبر الإنترنت تحت غطاء مكافحة الإرهاب. ويتمحور ذلك حول المادة 87 مكرر، وهي مادة تُعرّف الإرهاب بصياغات عمومية وفضفاضة بشكلٍ كبير، بحيث استُخدمت ضد منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل خاصة وتفاعلات إلكترونية تندرج ضمن نطاق الحق في حرية التعبير، مستهدفةً المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنقابيين والنشطاء السلميين.
وتعرّف المادة 87 مكرر من قانون العقوبات أفعال «الإرهاب أو التخريب» بأنها «كل فعل يستهدف أمن الدولة والوحدة الوطنية والسلامة الترابية واستقرار المؤسسات وسيرها العادي»، ويُرتكب بقصد، من بين أمور أخرى، «الاعتداء على رموز الأمة والجمهورية»، أو «عرقلة سير المؤسسات العمومية»، أو «عرقلة تطبيق القوانين والتنظيمات»، أو «العمل أو التحريض، بأي وسيلة كانت، للوصول إلى السلطة أو تغيير نظام الحكم بطرق غير دستورية»، أو «المساس بالسلامة الترابية أو تحريض آخرين على ذلك بأي وسيلة كانت». واستُخدمت المادة 87 مكرر لملاحقة محمد تجاديت، المعروف باسم «شاعر الحراك»، والذي تعرّض لملاحقات متكررة منذ عام 2019 بسبب شعره ونشاطه، حيث وُجهت إليه تهمة «الإشادة بالإرهاب» استناداً إلى قصائد سياسية ألقاها في مقاطع فيديو منشورة على فيسبوك وتيك توك وفي محادثات خاصة عبر الإنترنت.
وتنص المادة 87 مكرر 4 على عقوبة بالسجن تتراوح بين خمس وعشر سنوات بحق «كل من يشيد أو يشجع أو يمول» أفعال الإرهاب أو التخريب «بأي وسيلة كانت». وقد حُكم على المدافع عن حقوق الإنسان مهاد قاسمي بالسجن خمس سنوات بموجب هذا النص بسبب منشور على فيسبوك انتقد فيه السلطات. كما تعاقب المادة 87 مكرر 5 بالسجن من خمس إلى عشر سنوات «كل من يعيد عمدًا طبع أو نشر وثائق أو مطبوعات أو تسجيلات» تُعتبر بمثابة «إشادة» بأفعال إرهابية أو تخريبية. أما المادة 87 مكرر 12 فتُجرّم استخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال لتجنيد أشخاص لصالح منظمة إرهابية، أو لدعم أعمالها أو أنشطتها أو نشر أفكارها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويعاقب على ذلك بالسجن من خمس إلى عشر سنوات. وقد اعتُقل المحامي الحقوقي سفيان وعلي عام 2024 ووُجهت إليه تهم بموجب المادتين 87 مكرر 4 و87 مكرر 12 بسبب تنظيمه وقفة احتجاجية أمام إحدى المحاكم تضامناً مع أحد موكليه المعتقلين.
كما لاحقت السلطات الجزائرية أفراداً على خلفية ارتباطهم المزعوم بحركة «رشاد» السياسية المعارضة وحركة «الماك» (حركة تقرير مصير منطقة القبائل)، اللتين صنّفهما المجلس الأعلى للأمن «منظمتين إرهابيتين» في مايو 2021. وقد حذّرت الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة من أن عملية الإدراج هذه تتعارض مع مبدأ افتراض البراءة وتفتقر إلى الضمانات الإجرائية المطلوبة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويفرض قانون العقوبات كذلك مستويين إضافيين من التشديد على الأشخاص الملاحَقين بموجب أحكام مكافحة الإرهاب. أولاً، تنص المادة 87 مكرر 1 على نظام عقوبات خاص يطبق على الجرائم المنصوص عليها في المادة 87 مكرر، ويرفع العقوبات بصورة منهجية مقارنة بما ينص عليه القانون الجنائي العادي: فإذا كانت العقوبة في القانون العام هي السجن المؤبد، تصبح العقوبة الإعدام؛ وإذا كانت تتراوح بين 10 و20 سنة، تصبح السجن المؤبد؛ وإذا كانت تتراوح بين خمس وعشر سنوات، تصبح من 10 إلى 20 سنة. ثانياً، أدخلت تعديلات عام 2024 على قانون العقوبات فترة إلزامية لعدم الاستفادة من الإفراج المشروط بموجب المادة 87 مكرر 9، حيث يُحظر على أي شخص مُدان بجريمة إرهابية الاستفادة من أي تدبير لتخفيف العقوبة أو الإفراج المبكر، بما في ذلك وقف تنفيذ العقوبة أو نظام العمل خارج السجن أو الخروج النهاري أو شبه الحرية أو الإفراج المشروط، لمدة تعادل نصف العقوبة المحكوم بها، أو عشرين عاماً في حالة السجن المؤبد.
وبالإضافة إلى إطار المادة 87 مكرر، استُخدمت مادتان أخريان من قانون العقوبات لتجريم التعبير عبر الإنترنت. فتنص المادة 96 من قانون العقوبات على عقوبة السجن من سنة إلى خمس سنوات بحق كل من يوزع أو يعرض للبيع أو يعرض أو يحوز بغرض التوزيع أو البيع أو العرض لأغراض دعائية منشورات أو نشرات أو مطويات أو تسجيلات فيديو أو تسجيلات صوتية من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية، مع مضاعفة العقوبة إذا كان المحتوى ذا مصدر أو إلهام أجنبي. أما المادة 196 مكرر، فتنص على عقوبة بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات بحق كل من يقوم عمداً بنشر أو ترويج، بأي وسيلة، معلومات أو أخبار كاذبة أو افترائية من شأنها المساس بالأمن العام أو النظام العام.
وقد تعرّض إطار مكافحة الإرهاب الجزائري لانتقادات متواصلة ومتزايدة من هيئات وخبراء الأمم المتحدة المعنيين بحقوق الإنسان. ففي عام 2018، خلصت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان إلى أن المادة 87 مكرر تُعرّف الإرهاب بعبارات مفرطة العمومية ومبهمة بشكل يسمح بملاحقة أفعال قد تشكل ممارسة لحرية التعبير، ودعت الجزائر إلى تعديلها بحيث تحدد بوضوح ما يشكل فعلاً إرهابياً. وبدلاً من معالجة هذه المخاوف، وسّعت السلطات الجزائرية نطاق المادة 87 مكرر بصورة أكبر عبر تعديلات عامي 2021 و2024. وحذّر خبراء الأمم المتحدة من أن هذه التوسعات المتعاقبة قد تؤثر سلباً على حريات التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، وأن عدم دقة الأحكام يفسح المجال أمام التجريم المفرط والتعسفي، الذي قد يرقى في بعض الحالات إلى المضايقة القضائية.
وعقب زيارات قطرية إلى الجزائر عام 2023، أفاد المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات بأن المخاوف بشأن المادة 87 مكرر طُرحت في تقريباً كل محادثاته مع ممثلي المجتمع المدني، واصفاً إياها بأنها تتعارض مع مبدأ اليقين القانوني، وموصياً في نهاية المطاف بإلغائها. كما نوّهت المقررة الخاصة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان أن تعريف الإرهاب في المادة 87 مكرر واسع وغامض إلى درجة تجعل من الممكن اعتقال المدافعين عن حقوق الإنسان على نطاق واسع. وأعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلق خاص بشأن الأحكام المرتبطة بهذه المادة، مشيرين إلى النطاق الواسع وغير الدقيق وغير القابل للتوقع» لمفاهيم «الإشادة» و«التشجيع» على الإرهاب بموجب المادتين 87 مكرر 4 و5، وغياب الاستثناءات المتعلقة بالأغراض المشروعة في المادة 87 مكرر 12، ومحذرين من أن المادتين 96 و196 مكرر تفتحان الباب أمام ملاحقات قانونية ضد الصحفيين أو النشطاء السلميين أو أي شخص يشارك محتوى نقدياً يُعتبر لاحقاً "محتوي كاذباً" من قبل السلطات، ما يحدّ من النقاش العام.
3.1.2 قانون الإعلام
يضيف قانون الإعلام الجزائري لعام 2023، الذي حلّ محل نسخة عام 2012، طبقة إضافية من القيود على حرية التعبير، ولا سيما بالنسبة للصحفيين ووسائل الإعلام. وتعكس أحكامه ذات الصياغات الغامضة، والتي تتضمن حظراً على المحتوى الذي يُعتبر «مروجاً للإرهاب» أو ماسّاً بـ«الوحدة الوطنية»، المصطلحات المفرطة العمومية الواردة في قانون العقوبات، كما تمنح السلطات صلاحيات تقديرية واسعة على النشاط الصحفي.
وتنص المادة 3 من قانون الإعلام على أن تمارس الأنشطة الإعلامية بحرية في ظل احترام أحكام الدستور وهذا القانون العضوي والتشريع والتنظيم المعمول بهما، مع احترام «السيادة الوطنية» و«الوحدة الوطنية» و«السلامة الترابية» و«مقومات الدولة ورموزها». كما تنص المادة 35 على أنه يتعين على الصحفيين، أثناء ممارستهم نشاطهم الصحفي، أن «يمتنعوا على وجه الخصوص» عن «المساس بالذاكرة الوطنية أو برموز ثورة التحرير الوطنية»، أو «الترويج، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، للإرهاب أو للتعصب».
وقد أعربت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان عن قلقها إزاء المفاهيم الغامضة في هذا القانون والتي تُترك مسألة تفسيرها لتقدير السلطات المختصة، مشيراً إلى أن ذلك يفسح المجال أمام فرض قيود غير مبررة على حرية الرأي والتعبير، وفي أسوأ الحالات، تجريم أعمال الصحفيين المستقلين والمدونين ووسائل الإعلام. وأضافت المقررة الخاصة أنه عقب دخول القانون حيّز التنفيذ، لم يعد الصحفيون والمدونون يعرفون أين يقع “الخط الأحمر”، وأصبح من الممكن استهدافهم أو معاملتهم كمجرمين بسبب الكتابة عن تقريبًا أي موضوع.
3.1.3 الأمر المتعلق بحماية المعلومات والوثائق الإدارية
يوسّع الأمر الجزائري لعام 2021 المتعلق بحماية المعلومات والوثائق الإدارية الإطار القانوني الذي يمكن من خلاله تجريم التعبير عبر الإنترنت تحت ذريعة حماية الأمن القومي، بما يشمل صلاحيات واسعة لتصنيف المعلومات، وعقوبات جنائية مشددة على نشر المعلومات المصنّفة عبر الإنترنت، وسلطات رقابية واسعة تتيح مراقبة النشاط الإلكتروني للأفراد واتصالاتهم الخاصة.
ويعرّف الأمر «المعلومات» تعريفاً واسعاً في المادة 3(4) بأنها كل واقعة أو خبر مهما كان مصدره، أو وثيقة أو صورة أو تسجيل صوتي أو مرئي أو سمعي بصري أو محادثة أو مكالمة هاتفية، من شأن إفشائها الإضرار بالسلطات المعنية. كما يصنّف في المادة 6 المعلومات التي بحوزة مؤسسات الدولة والإدارات العمومية والمؤسسات العامة إلى أربع فئات من الحساسية تُحدد بالاستناد إلى اعتبارات الأمن القومي، وهي:
"سرّي جدًا": ويشمل الوثائق التي يلحق إفشاؤها خطرًا بالأمن الوطني الداخلي والخارجي؛
"سرّي": ويشمل الوثائق التي يلحق إفشاؤها ضررًا خطيرًا بمصالح الدولة؛
"واجب الكتمان": ويشمل الوثائق التي يلحق إفشاؤها ضررًا أكيدًا بمصالح الحكومة أو الوزارات أو الإدارات أو إحدى الهيئات العمومية؛
"توزيع محدود": ويشمل الوثائق الــتي يؤدي إفشاؤها إلى المساس بمصالح الدولة.
وتفرض المواد من 28 إلى 48 عقوبات جنائية على إفشاء أو نشر أو تداول المعلومات المصنفة، تتراوح بين ثلاثة أشهر وخمس عشرة سنة سجناً بحسب مستوى التصنيف والظروف المحيطة بالفعل. ومن أكثر الأحكام التي تدعو للقلق فيما يتعلق بالتعبير عبر الإنترنت هي المادة 38، التي تعاقب بالحبس من خمس إلى عشر سنوات كل من «ينشئ أو يدير أو يشرف على موقع إلكتروني أو حساب إلكتروني أو برنامج معلوماتي» بهدف نشر معلومات مصنفة، وكذلك كل من ينشر معلومات مصنفة عبر شبكة إلكترونية. كما تنص المادة 39 على عقوبة بالحبس من عشر إلى خمس عشرة سنة بحق كل من «يقوم عمدًا بنشر أو بث، عن طريق الاتصالات الإلكترونية أو منظومة معلوماتية، معلومة أو وثيقة مصنفة بغرض المساس بالنظام العام والسكينة العمومية». وقد استُخدمت هذه الأحكام عملياً لتوجيه اتهامات إلى النقابي علي معمري، الذي يتناول هذا التقرير قضيته، استناداً إلى رسائل خاصة تبادلها مع زملاء نقابيين وأفراد من عائلته، وتفاعلات إلكترونية مع معارضين سياسيين، اعتبرتها السلطات نشراً لمعلومات مصنفة.
كما يمنح الأمر سلطات واسعة للرقابة. فتنص المادة 22 على إلزام مقدمي الخدمات بمساعدة السلطات المكلفة بالتحريات القضائية في جمع وتسجيل المعطيات المتعلقة بمحتوى الاتصالات في حينها، بينما تخوّل المادة 25 ضباط الشرطة القضائية المختصّون وضع آليات تقنية على الشبكات الإلكترونية لتلقي التبليغات المتعلقة بالجرائم المنصوص عليها في الأمر. وتتيح هذه الأحكام للسلطات مراقبة الاتصالات الأفراد الخاصة عبر الإنترنت، ما يوفر الأساس الإثباتي للملاحقات القضائية بموجب هذا الأمر وبموجب إطار مكافحة الإرهاب.
وتتعارض فئات التصنيف التي يحددها الأمر، والتي تستند إلى مفاهيم غامضة وواسعة مثل «مصالح الدولة» و«الأمن القومي»، مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك مبدأ اليقين القانوني. فهي لا تنص على استثناءات، ولا تحدّ من السلطة الواسعة والتقديرية للحكومة في تصنيف المعلومات، ما يمهّد الطريق أمام السلطات لفرض قيود غير متناسبة على الحق في الحصول على المعلومات ولاستهداف المعارضين السياسيين والصحفيين تحت ذريعة الأمن القومي. كما أعرب خبراء الأمم المتحدة المعنيون بحقوق الإنسان عن قلقهم إزاء أحكام المراقبة الواردة في الأمر، مشيرين إلى استخدامها لتبرير توجيه اتهامات جنائية ضد أفراد بسبب اتصالاتهم الإلكترونية ومنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يشكل انتهاكًا لحقهم في حرية التعبير.
3.2 علي معمري: ملاحقة النشاط النقابي والمعارضة الإلكترونية باعتبارهما إرهاباً
علي معمري موظف عمومي، وقيادي في النقابة الوطنية لموظفي قطاع الثقافة والفنون (SNFC)، وعضو في كونفدرالية النقابات للقوى المنتجة (COSYFOP). واضطلع بدورٍ في إطلاق حملة لإنشاء نقابة داخل قطاع الثقافة، الذي لم يكن يتمتع بأي تمثيل نقابي، كما أنشأ لجنة للدفاع عن حقوق العمال، وانتُخب رئيساً للمكتب التنفيذي للنقابة الوطنية لموظفي قطاع الثقافة والفنون التابعة لـ(COSYFOP) في مارس 2025. وكان أيضاً ناشطاً في حركة «الحراك» الاحتجاجية.
في 19 مارس 2025، اعتقل عناصر يرتدون اللباس المدني علي معمري في مكان عمله بمدينة أم البواقي شمال شرقي الجزائر، من دون مذكرة توقيف أو إبلاغ علي معمري بأسباب اعتقاله، واحتُجز بمعزل عن العالم الخارجي حتى 23 مارس 2025. وفي اليوم التالي، تمكّن معمري من الاتصال بوالدته، مؤكداً أنه محتجز في مقر مديرية الأمن لولاية قسنطينة.
وخلال زيارة قام بها محاميه، أفاد معمري بأنه تعرّض للتعذيب الجسدي والنفسي. وأوضح أنه تعرّض للضرب خلال اليومين الأولين من احتجازه لدى الشرطة، كما جُرّد من ملابسه وتعرّض للإهانة. وذكر أن الغرض من ذلك كان إرغامه على توقيع اعتراف يفيد بانتمائه إلى منظمة إرهابية.
وبحسب محامي معمري، تضمّن محضر الشرطة التابع للمديرية العامة للأمن الداخلي بقسنطينة أدلة من قبيل لقطات شاشة ورسائل نصية ومنشورات إلكترونية.
وفي ختام فترة احتجازه لدى الشرطة في 27 مارس 2025، أُحيل إلى وكيل الجمهورية لدى محكمة أم البواقي، الذي قرر إحالة القضية إلى قاضي التحقيق وطلب فتح تحقيق استناداً إلى المواد 87 مكرر 1 و4 و5 من قانون العقوبات، فضلاً عن المادتين 34 و39 من الأمر المتعلق بحماية المعلومات والوثائق الإدارية.
ووُجهت إليه تهم تعمد نشر أو بث معلومات أو وثائق عبر الاتصالات الإلكترونية أو نظام معلوماتي بهدف المساس بالنظام العام والسكينة العامة، والإشادة بالأعمال الإرهابية والتخريبية وتشجيعها وتمويلها بأي وسيلة كانت، وإعادة إنتاج ونشر عمدًا وثائق أو مطبوعات أو تسجيلات تشيد بالأعمال الإرهابية والتخريبية.
ويتضمن محضر الشرطة القضائية الخاص بقضية معمري مراسلات بينه وبين عدد من أعضاء كونفدرالية النقابات للقوى المنتجة، ولا سيما مع رئيس الكونفدرالية رؤوف ملال، الذي أفاد بدوره تعرضه لمضايقات قضائية وأمنية متواصلة وحصل على وضع اللاجئ في بلد ثالث. وفسّرت السلطات المراسلات بين معمري وملال على أنها «تمس بالمصلحة الوطنية»، ووصفت الكونفدرالية بأنها «منظمة تخريبية»، واعتبرت أعضاءها عناصر «معادية لوحدة البلاد والنظام العام». كما أشار محضر الشرطة إلى أن معمري أجرى اتصالات مع «أفراد تخريبيين» بهدف إنشاء لجنة نقابية للدفاع عن حقوق الإنسان بغرض إسقاط الحكومة عبر «وسائل غير دستورية.»
كما تضمّن محضر الشرطة القضائية اتصالات خاصة ذات طابع عائلي بين معمري وهشام عبود، وهو صحفي ومن أفراد عائلة معمري، أُدرج اسمه في القائمة الوطنية للأشخاص والكيانات الإرهابية لعام 2022، ومنح وضع اللاجئ في فرنسا. وظهر أيضاً في المحضر تبادل رسائل بين معمري والمدون والمعارض الجزائري البارز أمير بوخرص، المعروف باسم «أمير دي زاد»، المدرج بدوره في قائمة الإرهاب نفسها لعام 2022 والحاصل على وضع اللاجئ في فرنسا. وفي هذه المراسلات، أرسل معمري إلى بوخرص مقطع فيديو تحدث فيه عن أوضاع العمال الصعبة والتحديات التي يواجهها قطاع الثقافة في الجزائر. ولم يردّ بوخرص على رسائل معمري، كما لم تُنشر هذه الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي.
كما استند محضر الشرطة القضائية إلى عدد من منشورات معمري على فيسبوك وتصريحاته الإلكترونية وتفاعلاته مع صفحات معارضين سياسيين، بما في ذلك مجرد «إعجابات» أو تعليقات أو مشاركات. وقد استندت السلطات إلى منشوراته ومشاركاته وتفاعلاته على وسائل التواصل الاجتماعي لتبرير توجيه تهم «الإشادة بالإرهاب».
وفي 29 أكتوبر 2025، أصدرت المحكمة الجنائية بأم البواقي حكماً بالسجن 15 عاماً بحق معمري استناداً إلى المواد 87 مكرر 4 و12 و96 و100 و146 من قانون العقوبات الجزائري. وفي 1 فبراير 2026، أيّدت المحكمة الجنائية الاستئنافية بأم البواقي إدانته، مع تخفيض العقوبة إلى عشر سنوات سجناً.
وفي مراسلة وجّهها خبراء الأمم المتحدة المعنيون بحقوق الإنسان إلى السلطات الجزائرية، أعربوا عن قلقهم إزاء القضية المرفوعة ضد معمري، مشيرين إلى أن تطبيق تهمة الإشادة بالإرهاب على آراء عبّر عنها بطريقة تتوافق مع القانون الدولي يشكل انتهاكاً لحقه في حرية التعبير. وأكد الخبراء أن الإجراءات المتخذة ضد معمري «تبدو قائمة على منشورات إلكترونية تعبّر عن خلافات مشروعة مع إدارة الحكومة»، وعلى «تبادلات مع أعضاء حركة لم تكن مصنفة "إرهابية" وقت وقوع الأحداث»، موضحين أن مثل هذه الأفعال محمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما حذّر الخبراء من أن قضية معمري قد تؤدي إلى «إنشاء بيئة من الترهيب والرقابة الذاتية تثني عن النقاش العام، وتقيد الحيز المدني، وتعرقل التعبير عن الآراء المعارضة أو الناقدة، بما يتعارض مع التزامات الجزائر الدولية.»
4. الأردن
لطالما عمدت السلطات الأردنية إلى تجريم الخطاب الذي يُعتبر ناقداً للملك أو للمسؤولين الحكوميين أو لسياسات الدولة، وذلك من خلال أحكام غامضة في قانون العقوبات، ما أوجد مناخاً من القمع والرقابة الذاتية للصحفيين والنشطاء والمواطنين العاديين. واحتدّت هذه الظاهرة بصورة ملحوظة عقب الربيع العربي التي دفعت السلطات إلى تشديد القيود على الحيّز المدني، وازدادت حدةً بشكل خاص بعد أكتوبر2023، حين وسّعت السلطات استهدافها للنشطاء المؤيدين لفلسطين ومنتقدي علاقات الأردن بإسرائيل عبر الإنترنت.
ويعتمد الأردن بنية مؤسساتية استثنائية منفصلة صُممت خصيصاً لملاحقة الجرائم المتعلقة بالأمن ومكافحة الإرهاب. وتشمل هذه البنية دائرة المخابرات العامة وفرع الأمن الوقائي التابع لمديرية الأمن العام، اللذين يتوليان تنفيذ الاعتقالات وإجراء التحقيقات، إضافة إلى محكمة أمن الدولة، وهي محكمة خاصة تحاكم المدنيين خارج إطار القضاء العادي. وتعمل هذه الهيئات مجتمعة من دون الضمانات المتعلقة بالرقابة والإجراءات القانونية الواجبة والحياد القضائي التي يقتضيها القانون الدولي لحقوق الإنسان، ما يقلّل من الحماية الإجرائية المتاحة أمام الأفراد الملاحقين بموجب أطر مكافحة الإرهاب أو الجرائم الإلكترونية مقارنةً بالإجراءات الجنائية العادية.
ويستند الإطار القانوني الذي يتيح هذا القمع أساساً إلى ثلاثة نصوص: قانون مكافحة الإرهاب لعام 2014، الذي وسّع تعريف الإرهاب ليشمل أفعالاً تتعلق بالتعبير عبر الإنترنت؛ وقانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023، الذي يجرّم طيفاً واسعاً من أشكال التعبير الإلكتروني التي تُعتبر ضارة بالأمن الوطني أو النظام العام؛ وقانون العقوبات، الذي يجرّم الخطاب الذي يعتبر انتقاد للملك أو للنظام السياسي. وقد أوجدت هذه النصوص مجتمعة بيئة يمكن فيها ملاحقة المعارضة السلمية والتعبير الناقد للحكومة عبر الإنترنت باعتبارهما جريمة إلكترونية تصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات، أو جريمة إرهابية قد تصل عقوبتها إلى السجن عشرين عاماً.
4.1 الإطار القانوني والمؤسساتي
4.1.1 قانون مكافحة الإرهاب
شهد إطار مكافحة الإرهاب في الأردن توسعاً كبيراً بموجب التعديلات التي أُدخلت عام 2014 على قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 (ويُشار إليه فيما يلي بـ«قانون مكافحة الإرهاب»)، حيث أُضيفت أحكام تُجرّم صراحة استخدام الأنظمة المعلوماتية والاتصالات الإلكترونية في سياق جرائم إرهابية مُعرّفة بشكلٍ عام.
ويعرّف قانون مكافحة الإرهاب الأردني «العمل الإرهابي» في المادة 2 بأنه:
"كل عمل مقصود أو التهديد به أو الامتناع عنه أياً كانت بواعثه أو أغراضه أو وسائله يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي من شأنه تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر أو إحداث فتنة إذا كان من شأن ذلك الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر أو إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو تعريض حياتهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو المرافق والأملاك العامة أو الأملاك الخاصة أو المرافق الدولية أو البعثات الدبلوماسية أو احتلال أي منها أو الاستيلاء عليها أو تعريض الموارد الوطنية أو الاقتصادية للخطر أو إرغام سلطة شرعية أو منظمة دولية أو إقليمية على القيام بأي عمل أو الامتناع عنه أو تعطيل تطبيق أحكام الدستور أو القوانين أو الأنظمة."
وتتضمن المادة 3 قائمة بالأفعال التي تُعتبر أعمالاً إرهابية محظورة، بما في ذلك أحكام ذات صلة بتجريم التعبير عبر الإنترنت. فتنص المادة 3(ب) على حظر القيام بأعمال من شأنها تعريض المملكة لخطر أعمال عدائية، أو تعكير صلاتها بدولة أجنبية، أو تعريض الأردنيين لخطر أعمال ثأرية تقع عليهم أو على أموالهم. كما تحظر المادة 3(هـ) استخدام نظام معلومات أو شبكة معلوماتية أو أي وسيلة نشر أو اتصال، أو إنشاء موقع إلكتروني، لتسهيل ارتكاب أعمال إرهابية، أو دعم جماعة أو منظمة أو جمعية تقوم بأعمال إرهابية، أو الترويج لأفكارها، أو تمويلها. وتعاقب المادة 7(ج) الأفعال المنصوص عليها في المادتين 3(ب) و3(هـ) بالأشغال الشاقة المؤقتة.
وفي عام 2017، خلصت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى أن التعريف الموسّع للإرهاب في قانون مكافحة الإرهاب من شأنه أن يسمح للسلطات باحتجاز ومحاكمة، من بين آخرين، أفراد يمارسون حقهم في حرية التعبير والتجمع السلمي، وأوصت الأردن بمراجعة القانون لضمان توافق تعريف الإرهاب والأعمال الإرهابية مع أحكام العهد والمعايير الدولية. وفي عام 2021، أعرب أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة عن قلقهم من أن قانون مكافحة الإرهاب يتضمن تعريفاً واسعًا للغاية للإرهاب يشمل طيفاً واسعاً من الأفعال، ويتعارض غموض هذا التعريف مع مبدأ الشرعية.
4.1.2 قانون الجرائم الإلكترونية
أصبح قانون الجرائم الإلكترونية الأردني لعام 2023، الذي ألغى وحل محل قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2015، الأداة الرئيسية التي تستخدمها السلطات لتجريم التعبير عبر الإنترنت، إذ يفرض عقوبات جنائية على المحتوى الذي يُعتبر مضراً بـ«الأمن الوطني» و«السلم المجتمعي»، ويوسّع المسؤولية الجنائية لتشمل مديري الحسابات والصفحات والمجموعات والقنوات على وسائل التواصل الاجتماعي عن المحتوى الذي ينشره الآخرون من خلالها.
وتنص المادة 15(أ) من قانون الجرائم الإلكترونية على معاقبة كل من «قام قصداً بإرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي أو ذم أو قدح أو تحقير أي شخص»، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة، وبغرامة مالية. كما تنص المادة 15(ب) على أنه يجوز للنيابة العامة تحريك الدعوى المتعلقة بالمادة 15(أ) دون الحاجة إلى تقديم شكوى من المتضرر إذا كان المحتوى موجهاً الى احدى السلطات في الدولة أو الهيئات الرسمية أو الإدارات العامة.
وتنص المادة 17 على معاقبة كل من يستخدم عمدًا شبكة معلوماتية أو تقنية معلومات أو نظام معلومات أو موقعاً إلكترونياً أو منصة تواصل اجتماعي لإثارة الفتنة أو استهداف السلم المجتمعي أو التحريض على الكراهية أو الدعوة إلى العنف أو تبريره أو الإساءة إلى الأديان بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبالغرامة المالية.
وتحدد المادة 25(أ) أن المسؤولية عن المحتوى غير المشروع بموجب قانون الجرائم الإلكترونية تقع على الشخص المسؤول عن الإدارة الفعلية للموقع الإلكتروني أو منصة التواصل الاجتماعي، أو المسؤول عن أي صفحة أو مجموعة أو قناة عامة، وأن هذا الشخص يُسأل عن المحتوى المخالف للقانون المنشور عليها. وتنص المادة 25(ب) على عدم سريان ذلك على الجهات الحكومية أو المؤسسات الرسمية أو الحسابات الشخصية، ما لم يرفض مالك الحساب الشخصي أو الشخص المسؤول إزالة المحتوى غير المشروع بناءً على طلب الشخص الذي وجهت اليه الإساءة أو الجهة ذات الاختصاص.
واستُخدمت هذه الأحكام لملاحقة صحفيين ونشطاء بسبب تعبيرهم الإلكتروني الناقد للسياسات الحكومية أو تضامنهم مع فلسطين. فتمت ملاحقة المدرس والناشط سمير النمراوي عدة مرات بموجب قانون الجرائم الإلكترونية بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي دعا فيها إلى تنظيم مظاهرات دعماً لغزة وانتقد الملك ودائرة المخابرات العامة، وحكم عليه بالسجن لمدة سنة في نوفمبر2023، ثم احتجز مجدداً من أكتوبر2024 حتى أغسطس 2025. كما اعتُقلت الناشطة فاطمة شبيلات في أبريل 2024 بعد تداول مقطع فيديو لها على وسائل التواصل الاجتماعي أثناء مشاركتها في اعتصام مؤيد لغزة قرب السفارة الإسرائيلية في عمّان، ووُجهت إليها تهم بموجب المادتين 15 و17 من قانون الجرائم الإلكترونية. أما الناشط كميل الزعبي، الذي يتناول هذا التقرير قضيته بالتفصيل، فقد تعرّض مراراً للملاحقة بموجب قانون الجرائم الإلكترونية بسبب نشاطه السياسي عبر الإنترنت وانتقاده للسلطات، وكانت آخر الأحكام الحكم عليه بالسجن سنتين في يناير 2026، ثم سنتين إضافيتين في فبراير 2026.
وعقب اعتماد قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023، حذّرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من أن القانون يفرض قيوداً غير مبررة ويجرّم الأنشطة الإلكترونية للأفراد والمنظمات، وأن أحكامه تستهدف محتوى التعبير عبر الإنترنت، وقابلة للتفسير الواسع، ولا تمتثل لمتطلبات الشرعية والهدف المشروع والضرورة والتناسب المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالقيود على حرية التعبير. وفي عام 2024، أعربت لجنة مناهضة التعذيب عن قلقها من أن قانون الجرائم الإلكترونية قد يجرّم أنشطة إلكترونية مشروعة بسبب التعريف الفضفاض للجرائم التي يمكن استخدامه لتقييد الحق في حرية التعبير واحتجاز الصحفيين وغيرهم تعسفياً، مؤكدةً أنه لا يفي بمتطلبات القانون الدولي لحقوق الإنسان المتعلقة بتقييد حرية الأفراد من حيث الشرعية والهدف المشروع والضرورة والتناسب». كما أشار أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة إلى أن المادة 15 تبدو وكأنها تفرض قيوداً متزايدة على حرية التعبير عبر الإنترنت، داعين الأردن إلى مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية بما ينسجم مع المعايير الدولية.
4.1.3 قانون العقوبات
يُستند إلى قانون العقوبات الأردني بصورة متكررة إلى جانب قانون مكافحة الإرهاب وقانون الجرائم الإلكترونية لملاحقة التعبير عبر الإنترنت، ولا سيما من خلال المادة 149(1)، الواردة ضمن باب الجرائم الإرهابية في قانون العقوبات.
وتنص المادة 149(1) من قانون العقوبات على أن كل من أقدم على أي عمل من شأنه تقويض نظام الحكم السياسي في المملكة أو التحريض على مناهضته وكل من أقدم على أي عمل فردي أو جماعي بقصد تغيير كيان الدولة الاقتصادي أو الاجتماعي أو أوضاع المجتمع الأساسية، يُعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة. ووفقاً للمادة 20(2) من قانون العقوبات، وفي حال عدم وجود حكم خاص في القانون، تتراوح مدة الأشغال المؤقتة بين ثلاث سنوات وعشرين سنة. وقد استُخدم هذا النص لملاحقة الناشط السياسي والمدرس أيمن صندوقة والحكم عليه بالسجن خمس سنوات بسبب منشور على فيسبوك موجّه إلى الملك انتقد فيه علاقات الأردن بإسرائيل.
وفي عام 2017، أعربت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن قلقها إزاء التقارير التي تفيد بأن الصحفيين لا يزالون يواجهون الملاحقة والعقوبات بموجب قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب إذا عبّروا عن آراء تُعتبر ناقدة، بما في ذلك "إهانة الملك"، وأوصت الأردن بمراجعة تشريعاته لضمان عدم تطبيق العقوبات الجنائية على الأشخاص الذين يعبّرون عن آراء ناقدة.
4.1.4 دور دائرة المخابرات العامة ومديرية الأمن العام ومحكمة أمن الدولة
يُنفَّذ إطار مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية في الأردن ضد التعبير عبر الإنترنت من خلال ثلاث جهات رئيسية: دائرة المخابرات العامة، وفرع الأمن الوقائي التابع لمديرية الأمن العام، ومحكمة أمن الدولة. وتعمل دائرة المخابرات العامة ومديرية الأمن العام من دون مستوى الرقابة المطلوب بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، في حين لا تستوفي محكمة أمن الدولة متطلبات الاستقلال والحياد القضائي.
وتتولى دائرة المخابرات العامة، التي يُعيَّن مديرها العام مباشرةً من قبل الملك وترفع تقاريرها إلى رئيس الوزراء، تنفيذ المهام والعمليات الاستخباراتية لحماية الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب. وتنفّذ الدائرة عمليات اعتقال بملابس مدنية وتدير مركز احتجاز خاصاً بها، رغم أنها تفتقد إلى الصلاحيات رسمية للاعتقال أو الاحتجاز. أما مديرية الأمن العام، التابعة لوزارة الداخلية، فتضم وحدة الجرائم الإلكترونية ضمن إدارة البحث الجنائي، التي أُنشئت عام 2008 وتتولى التحقيق في الجرائم الإلكترونية. وقد لعبت كل من دائرة المخابرات العامة ومديرية الأمن العام دوراً محورياً في حملة القمع ضد التعبير عبر الإنترنت في الأردن: فقد اعتُقل المعلم والناشط سمير النمراوي من قبل عناصر من الجهتين في نوفمبر 2023 بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي دعا فيها إلى مظاهرات دعماً لغزة؛ واعتُقلت أيضًا الناشطة فاطمة شبيلات في أبريل 2024 بعد انتشار مقطع فيديو لها خلال مشاركتها في اعتصام مؤيد لغزة، حيث فتحت وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام قضية منفصلة بحقها بعدما كان المدعي العام قد وافق على الإفراج عنها بكفالة؛ واعتُقل الناشط كميل الزعبي في نوفمبر 2023 من قبل نحو 20 عنصراً من دائرة المخابرات العامة ومديرية الأمن العام عقب نشره تغريدة حول نقل معدات عسكرية إلى إسرائيل عبر الأردن.
أما محكمة أمن الدولة، فهي محكمة خاصة أُنشئت بموجب القانون رقم 17 لسنة 1959، وتتألف من قضاة مدنيين و/أو عسكريين يعيّنهم رئيس الوزراء، وتختص بالنظر في الجرائم الإرهابية المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب وقانون العقوبات، بما في ذلك المادة 149. إذًا يُحال الأفراد المتهمون بموجب المادة 149 من قانون العقوبات أو قانون مكافحة الإرهاب بسبب تعبيرهم عبر الإنترنت إلى محكمة خاصة بدلاً من محكمة مدنية عادية. وكان هذا حال أيمن صندوقة، الذي احتُجز لأشهر من دون كفالة بانتظار محاكمته، وحُرم من التواصل مع محاميه، قبل أن تحكم عليه محكمة أمن الدولة بالسجن خمس سنوات بسبب منشور معارض على فيسبوك.
وقد دعت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان السلطات الأردنية إلى حل محكمة أمن الدولة، معربةً عن قلقها من أن المحكمة ليست مستقلة ولا محايدة، وأنها تحاكم المدنيين بصورة منهجية، وأن ممارساتها تنتهك الحق في محاكمة عادلة. كما أعربت لجنة مناهضة التعذيب عن قلقها إزاء التقارير المتعلقة بانعدام استقلالية وحياد محكمة أمن الدولة. وأعرب أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة كذلك عن قلقهم بشأن استخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين في قضايا تتعلق بالتعبير، مذكّرين بأن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية أو خاصة يجب أن تكون حالة استثنائية.
4.2 كميل الزعبي: ملاحقة التعبير السياسي السلمي مراراً باعتباره جريمة إلكترونية
كميل الزعبي ناشط سياسي أردني شارك في احتجاجات سلمية طالبت بالإصلاح ومحاسبة الفساد منذ بداية الربيع العربي أواخر عام 2010. ومنذ ذلك الحين، تعرّض للاعتقال نحو عشر مرات، واحتُجز قرابة أربع عشرة مرة، بما في ذلك في خمس مناسبات على الأقل بسبب تعبيره عبر الإنترنت، ولا سيما منشوراته الناقدة للسلطات والداعمة لفلسطين.
في ديسمبر2014، اعتُقل كميل الزعبي من قبل عناصر دائرة المخابرات العامة في إربد، عقب نشره منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي انتقد فيها نفقات القصور الملكية والمخصصات المالية الممنوحة للملك عبد الله الثاني والمقرّبين منه، فضلاً عن غياب الإصلاحات وفساد الدولة. وأُحيل إلى محكمة أمن الدولة، حيث وُجهت إليه تهمتا «إهانة الملك» و«تقويض نظام الحكم». وفي يناير 2015، أُفرج عنه بكفالة وفُرض عليه حظر سفر.
وفي ديسمبر 2020، خضع الزعبي للتحقيق من قبل وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام. واحتُجز ليوم واحد ثم أُفرج عنه بكفالة. ولاحقاً، وجّه إليه مدعي عام محكمة الرمثا ثلاث تهم تتعلق بالتشهير، قبل أن تُسقط اثنتان منها لاحقاً.
وفي أكتوبر 2021، نشر الزعبي تغريدة قال فيها إن زوجة رئيس الوزراء الأردني «تلقت أموالاً عبر استغلالها لمنصب زوجها»، في تلميح إلى وجود فساد، فرفع رئيس الوزراء دعوى تشهير ضده. واعتُقل الزعبي ووُجهت إليه تهم «الذم في هيئة رسمية» و«نشر أخبار كاذبة» و«النيل من هيبة الدولة» استناداً إلى المادتين 132 و191 من قانون العقوبات. وبعد 25 يوماً، أسقط رئيس الوزراء التهم الموجهة إليه، فأُفرج عن الزعبي. وقد حظيت القضية باهتمام إعلامي واسع، ما دفع المدعي العام إلى فرض حظر على النشر بشأن القضية.
وفي أغسطس 2022، نشر الزعبي على فيسبوك بياناً صادراً عن محاميه فراس الروسان، تضمن مزاعم بتعرض أحد موكليه للتعذيب أثناء الاحتجاز. وعلى إثر ذلك، وُجهت في سبتمبر 2022 تهم جديدة إلى الزعبي ومحاميه، استناداً إلى عدة أحكام من قانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية، من بينها ذم هيئة رسمية ومجلس النواب، ونشر أخبار كاذبة، والإضرار بسمعة الدولة. وفي أكتوبر 2024، وبعد تأجيل محاكمته عدة مرات، حُكم على الزعبي بالسجن ستة أشهر بتهمة ذم هيئة رسمية، بموجب المادة 191 من قانون العقوبات والمادة 15 من قانون الجرائم الإلكترونية.
وفي نوفمبر 2023، اعتُقل الزعبي في مدينة الرمثا من قبل نحو 20 عنصراً من دائرة المخابرات العامة وفرع الأمن الوقائي التابع لمديرية الأمن العام. وقد تعرّض للضرب والسحل والتثبيت أرضاً في دوار الرمثا الرئيسي. ثم نُقل إلى وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام في عمّان، حيث صودِر هاتفه وخضع للاستجواب بشأن منشور على حسابه في منصة «إكس» (تويتر سابقاً). وكان المنشور يتضمن مقطع فيديو قصيراً لشاحنات تنقل معدات أمريكية إلى إسرائيل من قواعد داخل الأردن، مرفقاً بنص يطالب بمحاسبة الحكومة الأردنية. ووُجهت إليه بموجب قانون الجرائم الإلكترونية تهمة نشر «أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي»، وحُكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر. وأثناء وجوده في السجن، فُتحت في يونيو 2024 قضية إضافية ضده استناداً إلى 12 منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي نشرها خلال السنوات السابقة، تضمنت انتقادات للوضع الاقتصادي والفساد في الأردن، وتعبيراً عن دعمه لغزة، وانتقاده دعم الأردن لإسرائيل واعتقال النشطاء المؤيدين لفلسطين، وتسليطه الضوء على قضايا نشطاء موقوفين بسبب انتقادهم للسلطات الأردنية. وقد وُجهت إليه تهم بموجب المادة 15(أ) من قانون الجرائم الإلكترونية وفُرضت عليه غرامة مالية.
وفي يناير 2026، اعتُقل الزعبي أمام أفراد أسرته وأطفاله ليلة رأس السنة من قبل قوات الأمن، قيل إنها داهمت منزله من دون مذكرة قضائية. وحكمت عليه محكمة صلح عمّان بالسجن سنتين بسبب نشر معلومات على وسائل التواصل الاجتماعي «تمس بالسلم المجتمعي» وبتهمة «ذم هيئة رسمية» بموجب المادتين 15 و17 من قانون الجرائم الإلكترونية.
وفي فبراير 2026، أصدرت محكمة صلح عمّان حكماً جديداً بحق الزعبي في قضية أخرى، قضى بسجنه سنتين إضافيتين بموجب قانون الجرائم الإلكترونية.
ولفتت الاعتقالات والملاحقات المتكررة بحق الزعبي انتباه خبراء الأمم المتحدة المعنيين بحقوق الإنسان، الذين أعربوا عن شواغلهم للسلطات الأردنية في مراسلة مؤرخة في ديسمبر 2024. وندّد الخبراء باستخدام أحكام غامضة ومفرطة العمومية في قانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية لملاحقة الزعبي، معتبرين أن الملاحقات المتكررة بحقه ترتبط بممارسته لحقوقه الأساسية، بما في ذلك حقه في حرية التعبير.
5. المملكة العربية السعودية
منذ وصول ولي العهد محمد بن سلمان إلى السلطة عام 2017، شنت السلطات السعودية حملة قمع واسعة ضد حرية التعبير، شملت اعتقال ومحاكمة المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والأكاديميين والنشطاء بسبب معارضتهم السلمية. وقد امتد هذا القمع بقوة إلى الفضاء الإلكتروني، ففي عام 2022 وحده، وُثّقت أحكام بالسجن تراوحت بين عشر وخمسٍ وأربعين سنة بحق 15 شخصاً بسبب أنشطتهم السلمية على الإنترنت فقط، وفي عام 2023 أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكماً بالإعدام بحق مدرس متقاعد استناداً حصراً إلى منشورات على منصة «إكس» ويوتيوب. كما أثارت جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018 إدانات دولية، وكشفت ما يمكن للسلطات فعله بغية إسكات الأصوات المعارضة، حتى خارج حدود المملكة.
وتعتمد المملكة العربية السعودية بنية مؤسساتية استثنائية صُممت خصيصاً لملاحقة الجرائم الأمنية وجرائم مكافحة الإرهاب. وتشمل هذه البنية المحكمة الجزائية المتخصصة، التي أُنشئت عام 2008 واستُخدمت منذ عام 2011 لمحاكمة المعارضين السلميين بتهم إرهابية خارج إطار القضاء العادي، إضافة إلى رئاسة أمن الدولة، التي أُنشئت عام 2017 وتخضع مباشرةً لسلطة الملك، وتتولى مهام الاعتقال والتحقيق والإشراف على عدد من مراكز الاحتجاز. وتعمل رئاسة أمن الدولة من دون الرقابة المطلوبة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، في حين لا تستوفي المحكمة الجزائية المتخصصة معايير الاستقلال والحياد القضائي، وتحرم كلتاهما الأفراد من ضمانات المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة التي يحق لهم التمتع بها.
ويستند الإطار القانوني الذي يتيح هذا القمع أساساً إلى نصّين: نظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله لعام 2014، الذي يتضمن تعريفاً واسعاً وغامضاً للإرهاب استُخدم لملاحقة التعبير السلمي عبر الإنترنت؛ ونظام مكافحة الجرائم المعلوماتية لعام 2007، الذي يجرّم المحتوى الإلكتروني الذي يُعتبر مضراً بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة. وقد أوجد هذان النصان معاً بيئة يمكن فيها ملاحقة تغريدة أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي باعتباره عملاً إرهابياً تصل عقوبته إلى السجن عشرين عاماً، كما تصل عقوبة إنشاء أو استخدام موقع إلكتروني لتسهيل التواصل مع كيان مُعرّف بصورة عامة على أنه إرهابي إلى عشرين عاماً أيضاً. وقد حذّر خبراء الأمم المتحدة تحديداً من أن العقوبات التي تفرضها السعودية على التعبير عبر الإنترنت تشمل الإعدام أو أحكاماً بالسجن لعقود بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، معتبرين أن ذلك يتعارض تماماً مع القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان.
5.1 الإطار القانوني والمؤسساتي
5.1.1 قانون مكافحة الإرهاب
يمنح إطار مكافحة الإرهاب في السعودية السلطات صلاحيات واسعة لتجريم التعبير السلمي عبر الإنترنت، حيث حلّ نظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله لعام 2017 (ويُشار إليه فيما يلي بـ«قانون مكافحة الإرهاب») محل قانون مكافحة الإرهاب لعام 2014، مقدّماً تعريفاً أكثر اتساعاً وغموضاً للإرهاب لا يقتصر على الأفعال العنيفة، إلى جانب عدد من الأحكام التي تجرّم التعبير والتواصل عبر الإنترنت.
وتعرّف المادة الأولى من قانون مكافحة الإرهاب «الجريمة الإرهابية» بأنها:
»كل سلوك يقوم به الجاني تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي بشكل مباشر أو غير مباشر، يقصد به الإخلال بالنظام العام، أو زعزعة أمن المجتمع واستقرار الدولة أو تعريض وحدتها الوطنية للخطر، أو تعطيل النظام الأساسي للحكم أو بعض أحكامه، أو إلحاق الضرر بأحد مرافق الدولة أو مواردها الطبيعية أو الاقتصادية، أو محاولة إرغام إحدى سلطاتها على القيام بعمل ما أو الامتناع عنه، أو إيذاء أي شخص أو التسبب في موته، عندما يكون الغرض، بطبيعته أو سياقه، هو ترويع الناس أو إرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بأي عمل أو الامتناع عن القيام به، أو التهديد بتنفيذ أعمال تؤدي إلى المقاصد والأغراض المذكورة أو التحريض عليها. «
وتفرض المادة 38 عقوبة تصل إلى السجن عشرين عاماً على «كل من أمدّ كياناً إرهابياً أو أيًّا من أفراده أو أي إرهابي بـأي وسيلة اتصال أو قدم إلى أي منهم معلومة» بهدف «تحقيق أغراضه». أما المادة 43، فتعاقب بالسجن لمدة تصل إلى عشرين عاماً «كل من أنشأ أو استخدم موقعاً على الشبكة المعلوماتية أو برنامجاً على أحد أجهزة الحاسب الآلي أو أي من الأجهزة الإلكترونية» لارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب، أو «لتسهيل الاتصال بأحد قيادات أو أفراد أي كيان إرهابي أو لترويج أفكاره أو لتمويله». وتنص المادة 44 على عقوبة تصل إلى خمس سنوات سجناً بحق «كل من أذاع أو نشر، بأي وسيلة خبراً، أو بيانًا، أو إشاعة كاذبة، أو مغرضة أو نحو ذلك، بقصد تنفيذ جريمة إرهابية».
واعتُقلت طالبة الدكتوراه والناشطة في مجال حقوق المرأة سلمى الشهاب في يناير 2021 على يد عناصر من رئاسة أمن الدولة، ووُجهت إليها تهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب وقانون الجرائم المعلوماتية بسبب تغريدات دعمت فيها حقوق المرأة والسجناء السياسيين. وقد صدر بحقها حكم زيد لاحقاً إلى 34 عاماً قبل أن يُخفَّض إلى 27 عاماً بعد إعادة المحاكمة. وأُفرج عنها في فبراير 2025 بعد أن أمضت كامل مدة محكوميتها. كما اعتُقلت نورة القحطاني في يوليو 2021 من قبل رئاسة أمن الدولة ووُجهت إليها تهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب بسبب تغريدات دافعت فيها عن حقوق الإنسان وطالبت بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وصدر بحقها حكم بالسجن 35 عاماً يتبعه منع من السفر لمدة مماثلة. وتعرّضت أيضًا مناهل العتيبي، التي يستعرض هذا التقرير قضيتها بالتفصيل، للملاحقة بموجب قانون مكافحة الإرهاب بسبب نشاطها على وسائل التواصل الاجتماعي.
وكانت لجنة مناهضة التعذيب قد أعربت بالفعل عام 2016 عن قلقها من أن قانون مكافحة الإرهاب يتضمن تعريفاً بالغ العمومية للإرهاب من شأنه أن يتيح تجريم أفعال التعبير السلمي التي تُعتبر مهدِّدة لـ"الوحدة الوطنية" أو مُقوِّضة لـ"سمعة الدولة أو مكانتها"». وفي عام 2020، شدد أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة أيضاً على أن تعريف «الجريمة الإرهابية» «لا يقتصر على الأفعال العنيفة»، بل يتضمن مجموعة من المصطلحات الغامضة التي «تثير مخاوف بشأن إمكانية تطبيقها بصورة تعسفية بسبب افتقارها إلى التحديد القانوني»، محذرين من أن «الطابع الفضفاض لهذه العبارات قد يؤدي إلى تصنيف طيف واسع من أنشطة التعبير والتجمع المحمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان على أنها "إرهاب" في التشريعات الوطنية»، وأن هذا التصنيف ينطوي على خطر «الخلط بين الاحتجاج الداخلي أو المعارضة أو الدفاع السلمي عن حقوق الإنسان وبين الإرهاب».
و أعرب خبراء الأمم المتحدة المعنيون بحقوق الإنسان كذلك عن شواغلهم بشأن المادة 43 في مراسلتهم لعام 2020، محذرين من أنها قد تتيح للسلطات المزيد من السيطرة على التغطية الإعلامية والنقاش العام حول المسائل التي تعتبر مرتبطة بالإرهاب، وأنها ستؤثر بصورة غير متناسبة على الأفراد العاديين والمجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من الفاعلين. أما فيما يتعلق بالمادة 44، فقد خلصوا إلى أن الحظر العام على نشر المعلومات الكاذبة يتسم بقدر مفرط من الغموض ما يجعله غير متوافق مع شرط الشرعية، وأن تعريف الإرهاب نفسه غامض، ما يعني أن النص لا يحدّد نطاق التجريم بطريقة تستوفي متطلبات الوضوح القانوني.
5.1.2 قانون الجرائم المعلوماتية
يتضمن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية السعودي لعام 2007 (ويُشار إليه فيما يلي بـ«قانون الجرائم المعلوماتية») عدداً من الأحكام الإشكالية التي تجرّم التعبير عبر الإنترنت، إذ يفرض عقوبات جنائية على المحتوى الذي يُعتبر مضراً بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة، وكذلك على استخدام المواقع الإلكترونية في إطار جرائم إرهابية صيغت تعريفاتها بصورة فضفاضة وواسعة.
وتفرض المادة 6(1) من قانون الجرائم المعلوماتية عقوبة تصل إلى السجن خمس سنوات على كل من يرتكب جريمة معلوماتية تتمثل في «إنتاج أو إعداد أو إرسال أو تخزين ما من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة أو حرمة الحياة الخاصة، عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي». أما المادة 7(1)، فتنص على عقوبة تصل إلى السجن عشر سنوات بحق «إنشاء موقع لمنظمات إرهابية على الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي أو نشره لتسهيل الاتصال بقيادات الأجهزة أو أحد أفرادها أو تمويلها أو الترويج لأفكارها أو نشر كيفية تصنيع الأجهزة الحارقة أو المتفجرات أو أي أداة تُستخدم في الأعمال الإرهابية».
واعتُقل رسام الكاريكاتير والمدرس محمد الغامدي في فبراير 2018 من قبل رئاسة أمن الدولة، وحوكم أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، ووُجهت إليه تهم بموجب المادة 6(1) من قانون الجرائم المعلوماتية بسبب أعمال فنية ومنشورات عبر الإنترنت انتقدت سياسات الحكومة، وقد أُفيد بأن عقوبته رُفعت إلى 23 عاماً من السجن عقب إجراءات سرية جرت عام 2024. كما استُخدم قانون الجرائم المعلوماتية في مرحلة الاستئناف في قضيتي سلمى الشهاب ونورة القحطاني، اللتين حُكم عليهما بالسجن لعقود بسبب نشاطهما السلمي على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد أعرب أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة عن قلقهم من أن قانون الجرائم المعلوماتية، ولا سيما المادة 6 منه، أتاح توسيع حملة القمع ضد المدافعين عن حقوق الإنسان ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، الذين استُهدفوا عبر مراقبة الدولة لحساباتهم، وأنه استُخدم لخنق النقاشات النسوية أو السياسية على الإنترنت، في انتهاك مباشر للحق في حرية الرأي والتعبير. وفي عام 2024، ندّدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة باعتماد السعودية على قانون مكافحة الإرهاب وقانون الجرائم المعلوماتية لاستهداف المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات، ما يؤدي إلى الترهيب وخطاب الكراهية والتهديدات والمضايقات والاعتقال والاحتجاز وفرض حظر السفر على المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات. كما أعربت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري عن قلقها إزاء أحكام السجن الطويلة وعقوبة الإعدام المفروضة على المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء والمحامين والصحفيين، استناداً إلى الأحكام المفرطة العمومية والغامضة في قانون مكافحة الإرهاب وقانون مكافحة الجرائم المعلوماتية.
5.1.3 دور رئاسة أمن الدولة والنيابة العامة والمحكمة الجزائية المتخصصة
يُنفَّذ إطار مكافحة الإرهاب والجرائم المعلوماتية في السعودية ضد التعبير عبر الإنترنت أساساً من خلال ثلاث جهات تعمل تحت السلطة المباشرة للملك: رئاسة أمن الدولة، والنيابة العامة، والمحكمة الجزائية المتخصصة. وتعمل رئاسة أمن الدولة والنيابة العامة من دون الرقابة المطلوبة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، في حين لا تستوفي المحكمة الجزائية المتخصصة معايير الاستقلال والحياد القضائي.
وقد أُنشئت رئاسة أمن الدولة في يوليو 2017، وترفع تقاريرها مباشرة إلى رئيس الوزراء، حيث جرى تحت قيادتها توحيد جميع مهام أمن الدولة التي كانت سابقاً بيد وزارة الداخلية ضمن جهاز واحد، وأصبحت الذراع التنفيذية الأساسية في حملة القمع ضد المعارضين، من خلال تنفيذ الاعتقالات والتحقيقات والاستجوابات. أما النيابة العامة، التي أُنشئت في يونيو 2017 ووُضعت تحت السيطرة المباشرة للملك، إذ نص مرسوم إنشائها على أنها ترتبط مباشرة بالملك وأنه لا يجوز لأحد التدخل في أعمالها، فتتولى التحقيق في الأفعال المجرّمة بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وإصدار مذكرات التوقيف والاستدعاء، وإحالة الأفراد إلى المحكمة الجزائية المتخصصة. أما المحكمة الجزائية المتخصصة، التي أُنشئت عام 2008 لمحاكمة قضايا الإرهاب، فقد استُخدمت بصورة متزايدة لملاحقة المعارضين السلميين بتهم تتعلق بالإرهاب.
وفي الواقع، عملت هذه الجهات الثلاث بصورة منسقة لملاحقة الأفراد بسبب تعبيرهم السلمي عبر الإنترنت: فقد اعتُقلت سلمى الشهاب من قبل رئاسة أمن الدولة وحوكمت أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، حيث صدر بحقها حكم بالسجن 27 عاماً بسبب تغريدات؛ كما اعتُقل محمد الغامدي على يد عناصر من رئاسة أمن الدولة، واحتُجز بمعزل عن العالم الخارجي لأكثر من 50 يوماً، وحُرم من الاستعانة بمحامٍ، قبل أن يُحاكم أمام المحكمة الجزائية المتخصصة بسبب أعمال فنية منشورة عبر الإنترنت، مع تقارير تفيد بزيادة عقوبته إلى 23 عاماً عقب إجراءات سرية عام 2024.
وعلاوة على ذلك، فإن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المعروفة أيضاً باسم «الشرطة الدينية»، رغم تجريدها عام 2016 من صلاحيات الملاحقة والاستجواب والاعتقال والاحتجاز، لا تزال عملياً تراقب السلوك على الإنترنت والنشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، وتجمع تقارير عن الأفراد، وتحيلها إلى الشرطة وسلطات الادعاء بوصفها أدلة في الإجراءات الجنائية، كما نرى من دورها في قضية مناهل العتيبي التي يستعرضها هذا التقرير بالتفصيل.
وأشار أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة في مراسلة عام 2020 إلى أن المحكمة الجزائية المتخصصة، «بوصفها محكمة استثنائية»، لا تتألف من قضاة مستقلين بل من هيئة يعيّنها وزير الداخلية، وأكدوا أن المحكمة استُخدمت بصورة منهجية لقمع الانتقادات والمعارضة الموجهة إلى الحكومة والعائلة المالكة. كما خلص الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، الذي اعتبر عام 2023 أن احتجاز كل من سلمى الشهاب ونورة القحطاني كان تعسفياً، إلى أن محاكمتهما أمام المحكمة الجزائية المتخصصة جاءت نتيجة مباشرة لممارستهما السلمية لحقهما في حرية التعبير، وشابت المحاكمتين انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك تقييد الوصول إلى محامٍ وعقد جلسات مغلقة أفضت إلى أحكام غير متناسبة. وأعربت لجنة مناهضة التعذيب قبل ذلك، في عام 2016 عن قلقها من أن قضاة المحكمة الجزائية المتخصصة رفضوا مراراً النظر في ادعاءات المتهمين في قضايا الإرهاب بأنهم تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة أثناء الاستجواب بغرض انتزاع اعترافات منهم.
5.2 مناهل العتيبي: ملاحقة الدفاع عن حقوق المرأة باعتباره إرهاباً
مناهل العتيبي مدربة لياقة بدنية ومدوِّنة سعودية عُرفت بدفاعها الصريح عن تمكين المرأة عبر منصاتها على وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت تحظى بمتابعة واسعة على منصات سناب شات وتويتر (حالياً «إكس») وإنستغرام، حيث كانت تنشر مقاطع تتعلق باللياقة البدنية، إلى جانب منشورات سلمية تدعو إلى تخفيف القيود المفروضة على لباس النساء، والدفاع عن حقوق مجتمع الميم، وإلغاء نظام ولاية الرجل. وحوالي عام 2020، استخدمت وسوم #المجتمع_جاهز و#إلغاء_الولاية للمطالبة بإصلاح نظام الولاية الذكورية في السعودية، كما عبّرت عن مواقفها بشأن انتهاكات أخرى للحقوق الأساسية للنساء داخل المملكة.
وفي نوفمبر 2022، استُدعيت مناهل العتيبي للتحقيق في مركز شرطة الصحافة في الرياض بسبب نشاطها على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد خضعت للاستجواب بشأن نشاطها على تويتر، ولا سيما الوسوم التي استخدمتها، وأُبلغت بأن هذه الوسوم «مخالفة للنظام». وعقب انتهاء التحقيق، نُقلت إلى سجن الملز في الرياض، حيث وُضعت قيد الاحتجاز.
وفي 18 يناير 2023، مثُلت العتيبي في أولى جلساتها أمام المحكمة الجزائية في الرياض، حيث وُجهت إليها تهمة إنتاج أو إعداد أو إرسال أو تخزين ما من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة أو حرمة الحياة الخاصة، عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أجهزة الحاسب الآلي بموجب المادة 6(1) من قانون الجرائم المعلوماتية. وعرّضتها هذه التهمة لعقوبة تصل إلى السجن خمس سنوات. ونظراً إلى عدد متابعيها الكبير وتأثيرها المفترض على الإنترنت، أمرت النيابة العامة أيضاً بإغلاق حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، استناداً إلى المادة 13 من قانون الجرائم المعلوماتية.
نظر القاضي خلال المحاكمة في التهم ودرس عدداً من الوقائع المزعومة. ومن بين هذه الادعاءات، قيل إن العتيبي أقرت بأنها شاركت مقطع فيديو يظهرها وهي تسير في شوارع الرياض من دون ارتداء العباءة، وكانت قد نشرته على سناب شات. وفي هذا السياق، أوضحت العتيبي أنها لم تنشر هذا الفيديو علناً مطلقاً، بل أرسلته بشكل خاص عبر سناب شات إلى دائرة ضيقة من أصدقائها المقرّبين. كما أكدت أنها لم تُدلِ بأي تصريح للمحققين يفيد بخلاف ذلك، ونفت بالتالي صحة الادعاء القائل إنها اعترفت بهذا الأمر أثناء استجوابها. ورجّحت أن يكون أحد أصدقائها قد نشر المقطع على حساب عام من دون علمها.
كما زُعم أنها استخدمت حسابيها على تويتر وسناب شات لمناهضة القوانين السعودية المتعلقة بالنساء. وأشير إلى أنها استخدمت على حسابها في تويتر الوسم #إنهاء_ولاية_الرجل، الذي اعتُبر أنه يؤدي إلى التمرد على سياسات الدولة والمحاكم السعودية والقيم الدينية. ووفقاً لتقرير صادر عن مدير شرطة منطقة الرياض، يُزعم أن العتيبي عارضت الأنظمة المتعلقة بالمرأة وشاركت في حملات ضد القوانين السعودية عبر تويتر. ورداً على هذه الادعاءات، أكدت العتيبي أنها لم تحرّض الأفراد أو المجتمع أو الفتيات على رفض المبادئ الدينية والقيم الاجتماعية عبر أي من حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، بل كانت تنشر منشورات سلمية فحسب.
كما زُعم وجود مقاطع فيديو على حسابها في تويتر تظهر فيها وهي ترتدي «ملابس غير محتشمة» وتمارس «أفعالاً غير أخلاقية». واستند هذا الادعاء إلى مقاطع فيديو ظهرت فيها العتيبي بملابس رياضية وهي ترقص أو تمارس اليوغا في إحدى الحدائق، علماً بأن جميع تلك المقاطع صُوّرت أثناء إقامتها خارج البلاد.
ووفقاً لتقرير صادر عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يُزعم أن العتيبي تجولت في أسواق الرياض من دون ارتداء العباءة، ونشرت مقطع فيديو للحادثة عبر سناب شات دعت فيه، بحسب الادعاء، إلى التخلي عن الحجاب وألقت العباءة في السوق. نفت العتيبي هذا الادعاء، موضحةً أنها لم تلقِ عباءتها في السوق، بل خرجت من منزلها من دون ارتدائها فحسب. وفي اليوم نفسه، أي في 18 يناير 2023، قرر القاضي صرف النظر عن القضية وإحالتها إلى المحكمة الجزائية المتخصصة.
وبدأت محاكمة العتيبي أمام المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض في 19 يوليو 2023. وأضافت النيابة العامة تهمةً أخرى ذات طابع إرهابي إليها، استناداً إلى تغريدة قارنت فيها العتيبي بين القضاء في المملكة العربية السعودية والقضاء التابع لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش). غير أنّ هذه المحاكمة أُرجئت لاحقاً. ثم حُدد موعد جديد للمحاكمة في 26 يوليو 2023، إلا أنه أُلغي هو الآخر لاحقاً.
وفي 9 يناير2024، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكماً بحق العتيبي بالسجن لمدة 11 عاماً في جلسة سرية، بعد إدانتها بارتكاب جرائم إرهابية معاقب عليها بموجب المادتين 43 و44 من نظام مكافحة الإرهاب. وفي 3 نوفمبر 2024، أيّدت محكمة الاستئناف الجزائية المتخصصة الحكم وصدّقت عليه. في 21 أغسطس 2025، خُفِّضت عقوبة العتيبي إلى السجن لمدة خمس سنوات ومنع السفر لمدة خمس سنوات. ولا تزال العتيبي محتجزة في سجن الملز بالرياض في ظل ظروف احتجاز لا إنسانية، حيث خضعت لفترات طويلة من الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي منذ ديسمبر 2024.
وكانت مناهل العتيبي موضع مراسلتين من خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان. ففي ديسمبر 2023، وقبل صدور الحكم بحقها، أعرب خبراء أمميون عن قلقهم إزاء توقيفها واستمرار احتجازها السابق للمحاكمة، معتبرين ذلك عملاً انتقامياً بسبب نشاطها على وسائل التواصل الاجتماعي دفاعاً عن حقوق المرأة، ما يثير مخاوف بانتهاك حقها في حرية التعبير. كما أبدى الخبراء قلقهم من محاكمتها أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، مشيرين إلى أن هذه المحكمة، إلى جانب التعريف الغامض للإرهاب في السعودية، استُخدمت بشكل منهجي لإسكات الانتقادات والمعارضة الموجهة إلى الحكومة والعائلة المالكة، ووضعوا ملاحقة العتيبي القضائية في سياق حملة أوسع تستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، الذين تعرضوا للاستهداف من خلال مراقبة الدولة لحساباتهم الإلكترونية .وعقب الحكم على العتيبي بالسجن 11 عاماً، وجّه أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة مراسلة إضافية إلى الحكومة السعودية في نوفمبر 2024، مكرّرين مخاوفهم، ومعربين عن قلقهم البالغ إزاء إدانتها بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب بسبب نشاط سلمي على وسائل التواصل الاجتماعي.
6. الإمارات العربية المتحدة
منذ عامي 2011–2012، عندما أدّت احتجاجات إلى موجة من الاعتقالات بحقّ من وقّعوا عريضة تطالب بإصلاحات ديمقراطية، شنّت السلطات في دولة الإمارات العربية المتحدة حملة مستمرة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات، شملت اعتقال ومحاكمة عشرات المحامين والقضاة والمعلمين والطلاب والنشطاء، وإغلاق جمعيات المجتمع المدني، والقضاء فعلياً على أي مساحة للتعبير عن الرأي المعارض. وفي عام 2013، أُدين 94 محامياً وأكاديمياً ومدافعاً عن حقوق الإنسان في محاكمة جماعية ظالمة استندت إلى تهم غامضة تتعلق بالإرهاب والأمن، عُرفت باسم «الإمارات 94»، وقد خلص فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي إلى أن احتجازهم كان تعسفياً بموجب القانون الدولي. وفي ديسمبر 2023، وخلال استضافة مؤتمر COP28، وجّهت السلطات الإماراتية اتهامات جديدة بالإرهاب إلى 84 متهماً، كان العديد منهم قد حوكموا سابقاً في قضية «الإمارات 94»، ما أدى إلى إصدار أحكام بالسجن المؤبد بحق 43 منهم، تم تأييدها استئنافياً في مارس 2025، حيث ندّد خبراء الأمم المتحدة بهذه الإجراءات واعتبروها «خطوة خطيرة الى الوراء» تعكس «التطبيق التعسفي لقوانين مكافحة الإرهاب» بهدف قمع حرية التعبير. وقد امتد هذا القمع بشكل كبير إلى التعبير عبر الإنترنت، خصوصاً عقب اندلاع الهجمات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في مطلع عام 2026 وما تلاها من ضربات إيرانية على أراضي الإمارات: إذ أفادت التقارير أنه حتى مارس 2026، اعتقلت السلطات أكثر من 109 أشخاص ووجّهت اتهامات إلى أكثر من 20 شخصاً من جنسيات مختلفة، بينهم سياح ومؤثرون، بسبب تصوير أو نشر أو إعادة نشر أو التعليق على محتوى مرتبط بالنزاع على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأنشأت دولة الإمارات بنية مؤسسية مخصصة للتحقيق في جرائم الأمن ومكافحة الإرهاب وملاحقتها، تشمل جهاز أمن الدولة، الذي أُنشئ عام 1974 ويخضع للسلطة المباشرة لرئيس الدولة، ويتولى عمليات الاعتقال والتحقيق دون أي رقابة مؤسسية أو قضائية أو مالية، إلى جانب نيابة أمن الدولة ومحكمتين متخصصتين تعيّن السلطة التنفيذية قضاتهما. وتعمل هذه الأجهزة سوية دون استقلالية أو حياد كما يقتضيهما القانون الدولي لحقوق الإنسان، ما يؤدي إلى حرمان الأفراد الخاضعين لهذه المنظومة من الضمانات الإجرائية الأساسية بشكل منهجي.
ويستند الإطار القانوني الذي يتيح هذا القمع إلى ثلاثة نصوص رئيسية: قانون مكافحة الإرهاب لعام 2014، الذي يجرّم إعلان معارضة الدولة أو عدم الولاء لقيادتها بأي وسيلة من وسائل الاتصال؛ وقانون الجرائم الإلكترونية لعام 2021، الذي يجرّم طيفاً واسعاً من التعبير الإلكتروني الذي يُعتبر مضرّاً بأمن الدولة أو وحدتها الوطنية؛ وقانون العقوبات لعام 2021، الذي يتضمن بدوره أحكاماً واسعة النطاق وغامضة تجرّم التعبير عبر الإنترنت. وقد أوجدت هذه القوانين معاً بيئة يمكن فيها ملاحقة منشور معارض للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي باعتباره جريمة إرهابية، كما يمكن أن يؤدي إنشاء أو إدارة موقع إلكتروني يُفهم على أنه يروّج لإسقاط النظام إلى عقوبة السجن المؤبد، بينما قد يؤدي نشر أو مشاركة معلومات تُعتبر مضرّة بمصالح الدولة أو سمعتها، بما في ذلك خارج حدودها، إلى الملاحقة الجنائية.
6.1 الإطار القانوني والمؤسساتي
6.1.1 قانون مكافحة الإرهاب
يتضمن القانون الاتحادي الإماراتي لعام 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية (ويُشار إليه فيما يلي بـ«قانون مكافحة الإرهاب») عدداً من الأحكام التي تثير قلقاً خاصاً فيما يتعلق بتجريم التعبير عبر الإنترنت، بما في ذلك تعريف دائري وفضفاض للإرهاب، وأحكام بصياغة واسعة ومبهمة تتيح ملاحقة الانتقادات المشروعة وأشكال التعبير عن الرأي باعتبارها جرائم إرهابية.
ويعرّف قانون مكافحة الإرهاب في مادته الأولى «الجريمة الإرهابية» بأنها « كل فعل أو امتناع عن فعل مجرم بموجب هذا القانون، وكل فعل أو امتناع عن فعل يشكل جناية أو جنحة واردة في أي قانون آخر إذا ارتكب لغرض إرهابي». ويُعرّف «الغرض الإرهابي» بأنه «اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل، متى كان هذا الارتكاب أو الامتناع مجرماً قانوناً وذلك بقصد إحداث نتيجة ارهابية مباشرة أو غير مباشرة أو علم الجاني بأن من شأن الفعل أو الامتناع عن الفعل، تحقيق نتيجة إرهابي». كما يعرّف القانون «النتيجة الإرهابية» على نحو يشمل «معاداة الدولة»، و«التأثير على السلطات العامة في الدولة أو دولة أخرى أو منظمة دولية في أدائها لأعمالها»، و«الحصول من الدولة أو دولة أخرى أو منظمة دولية على منفعة أو مزية من أي نوع».
وتنص المادة 15 على أن «يعاقب بالسجن المؤقت كل من أعلن بإحدى طرق العلانية عداءه للدولة أو لنظام الحكم فيها أو عدم ولائه لقياداتها». كما تنص المادة 32 على عقوبة تصل إلى السجن المؤبد بحق «كل من أمد تنظيماً إرهابياً أو شخصاً إرهابياً» بأي أسلحة أو مواد من شأنها مساعدته على تحقيق غرض إرهابي، بما في ذلك على طريق وسائل الاتصال. أما المادة 34 فتنص على معاقبة كل من «يكل من روج أو حبذ بالقول أو الكتابة أو بأي طريقة أخرى لأي تنظيم إرهابي أو شخص إرهابي أو جريمة إرهابية، مع علمه بذلك»، وكذلك كل من «حاز أو أحرز أي محررات أو مطبوعات أو تسجيلات أياً كان نوعها تتضمن ترويجاً أو تحبيذاً لتنظيم إرهابي أو لشخص إرهابي أو لجريمة إرهابية إذا كانت معدة للتوزيع أو لإطلاع الغير عليها مع علمه بذلك»، إضافة إلى كل من « حاز أو أحرز أي وسيلة من وسائل الطباعة أو التسجيل أو العلانية استعملت أو أعدت للاستعمال ولو بصفة مؤقتة لطبع أو تسجيل أو إذاعة أو نشر شيء مما ذكر مع علمه بذلك».
وفي عام 2020، انتقد أصحاب ولايات الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة قانون مكافحة الإرهاب الإماراتي لعدم تعريفه «الإرهاب» ذاته، بل اعتماده على تعريف «الجريمة الإرهابية» و«الغرض الإرهابي»، ما أثار مخاوف بشأن الغموض وعدم الدقة وعدم اليقين في نطاق هذه المصطلحات، التي تبقى في جوهرها غير مُعرّفة، إذ يشير أحد التعريفات إلى تعريف آخر دون تقديم تعريف محدد ومقيد للأنشطة التي يشملها. وحذّر الخبراء من أن «الصياغة الواسعة وغير الواضحة لهذه المصطلحات […] تبدو منافية لمبدأ اليقين القانوني وتفسح المجال لتفسيرات ذاتية خطيرة». وفي ما يتعلق تحديداً بالمادة 15، شدّد الخبراء على أن «التجريم الظاهر لـ"معاداة الدولة" و"عدم الولاء لقيادتها"، دون تعريفات أو قيود مناسبة، قد يقلّص الفضاء المدني، محذرين من أن مثل هذه الأحكام قد تؤدي إلى تجريم أفكار وتعبيرات مشروعة لفاعلين في المجتمع المدني. كما أعربوا عن قلق عميق من أن قانون مكافحة الإرهاب «قد يعبّد الطريق لإطار تشريعي يمكن فيه تفسير بعض أشكال النقد أو المعارضة باعتبارها إرهاباً داخلياً، وفق التقدير الذاتي للسلطات المعنية».
6.1.2 قانون الجرائم الإلكترونية
يُجرّم قانون دولة الإمارات لعام 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية (ويُشار إليه فيما يلي بـ«قانون الجرائم الإلكترونية»)، والذي حلّ محل قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية لعام 2012، طيفاً واسعاً من أشكال التعبير عبر الإنترنت من خلال أحكام عامة ومبهمة تتيح ملاحقة المحتوى الذي يُعتبر مضرّاً بأمن الدولة أو وحدتها الوطنية أو مصالحها، بما في ذلك المحتوى المنشور من خارج الدولة.
ويعرّف القانون «المحتوى غير القانوني» بأنه المحتوى الذي «من شأن نشره أو تداوله أو إعادة تداوله داخل الدولة الإضرار بأمن الدولة أو سيادتها أو أيّاً من مصالحها أو الصحة العامة أو ضمان السلم العام، أو بالعلاقات الودية للدولة مع الدول الأخرى، أو التأثير في نتائج انتخابات أعضاء المجلس الوطني الاتحادي أو المجالس الاستشارية بإمارات الدولة أو التحريض على مشاعر العداء أو الكراهية بين مجموعة مختلفة من الأشخاص أو انخفاض ثقة العامة في أداء أي واجب أو مهمة أو في ممارسة أي صلاحية من قبل إحدى سلطات الدولة أو أي من مؤسساتها». كما يعرّف القانون «البيانات الزائفة» بأنها «الشائعات والبيانات الكاذبة أو المضللة، سواء كلياً أو جزئياً، وسواء بحد ذاتها أو في إطار السياق الذي ظهرت فيه».
وتنص المادة 20 على عقوبة السجن المؤبد لكل من «أنشأ أو أدار موقعًا إلكترونيًا أو أشرف عليه أو نشر معلومات أو برامج أو أفكار تتضمن أو تهدف أو تدعو إلى قلب نظام الحكم»، أو يستخدم «شبكة معلوماتية» لـ«مناهضة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة». كما تنص المادة نفسها على عقوبة السجن المؤبد لكل من «روج أو حرض أو سهل» هذه الأفعال. وتجرّم المادة 21 الترويج والتنظيم للجماعات الإرهابي»، حيث تنص على عقوبة تصل إلى السجن المؤبد وغرامة لا تقل عن مليوني درهم لكل من «أنشأ أو أدار موقعًا إلكترونيًا أو أشرف عليه أو نشر معلومات أو بيانات لجماعة إرهابية» على الشبكة المعلوماتية «بقصد تسهيل الاتصال بقياداتها أو أعضائها أو لاستقطاب عضوية لها أو ترويج أو تحبيذ أفكارها أو تمويل أنشطتها». أما المادة 22، التي تجرّم نشر المعلومات التي «تضر بمصالح» الدولة، فتنص على عقوبة تتراوح بين ثلاث و15 سنة سجناً لكل من يستخدم «الشبكة المعلوماتية» أو «إحدى وسائل تقنية معلومات» لتقديم «معلومات أو بيانات أو تقارير أو مستندات غير مصرح بنشرها أو تداولها، وكان من شأنها الإضرار بمصالح الدولة أو بأجهزتها الحكومية أو الإساءة إلى سمعتها أو هيبتها أو مكانتها»، إلى أي «منظمة أو مؤسسة أو هيئة أو شخص أو كيان».
وتنص المادة 23، التي تجرّم التحريض على الإضرار بأمن الدولة، على عقوبة تتراوح بين ثلاث و15 سنة سجناً لكل من أنشأ أو أدار موقعًا إلكترونيًا أو أشرف عليه أو استخدم معلومات على الشبكة المعلوماتية أو وسيلة تقنية معلومات بقصد «التحريض على أفعال أو نشر أو بث معلومات أو أخبار أو رسوم كرتونية أو أي صور أخرى من شأنها تعريض أمن الدولة ومصالحها العليا للخطر أو المساس بالنظام العام». كما تنص المادة 24، التي تجرّم «إثارة الفتنة والإضرار بالوحدة الوطنية»، على عقوبة تتراوح بين ثلاث و15 سنة سجناً وغرامة لا تقل عن 200 ألف درهم لكل من يستخدم الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات لإنشاء أو إدارة أو الإشراف على موقع إلكتروني أو نشر معلومات أو برامج أو أفكار تتضمن إثارة للفتنة أو الكراهية أو العنصرية أو الطائفية أو الترويج أو التحبيذ لأي منها، بما من شأنه الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلم الاجتماعي أو الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة أو تعريض مصالح الدولة للخطر.
علاوةً على ذلك، تنصّ المادة 52، التي تُجرِّم «نشر الشائعات والأخبار الزائفة»، على عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن سنة واحدة وغرامة لا تقل عن 100,000 درهم لكل من يستخدم الشبكة المعلوماتية أو وسيلة من وسائل تقنية المعلومات للإذاعة أو نشر أو إعادة نشر أو تداول أو إعادة تداول أخبار أو بيانات زائفة أو تقارير أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو مُضلِّلة أو مغلوطة»، أو « تخالف ما تم الإعلان عنه رسميًا»، أو «بثّ أي دعايات مثيرة من شأنها تأليب الرأي العام أو إثارته أو تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة أو بالاقتصاد الوطني أو بالنظام العام أو الصحة العامة». وترتفع العقوبة إلى الحبس لمدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن 200,000 درهم إذا ترتب على الفعل تأليب الرأي العام أو إثارته ضد إحدى سلطات دولة الإمارات أو مؤسساتها أو إذا ارتُكب بزمن الأوبئة والأزمات والطوارئ أو الكوارث.
عمليًا، استُخدمت هذه الأحكام بشكلٍ ملحوظ ضد الأكاديمي والمدافع عن حقوق الإنسان ناصر بن غيث، الذي اعتُقل في أغسطس 2015 من قبل جهاز أمن الدولة، ووُجِّهت إليه تهم بموجب قانون الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات على خلفية تغريدات انتقد فيها السلطات الإماراتية والمصرية، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة عشر سنوات من محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية. وفي عام 2018، حُكم على المدافع البارز عن حقوق الإنسان أحمد منصور بالسجن عشر سنوات بموجب قانون الجرائم الإلكترونية بسبب نشاطه على الإنترنت، بما في ذلك منشورات اعتُبرت «نشر معلومات زائفة للإضرار بسمعة دولة الإمارات في الخارج». كما تم تسليم الشاعر والناشط المصري–التركي عبد الرحمن القرضاوي، الذي تُستعرض قضيته بالتفصيل في هذا التقرير، من لبنان إلى دولة الإمارات في يناير 2025، ووجهت إليه تهم «نشر معلومات زائفة» و«الإخلال بالأمن العام» بموجب قانون الجرائم الإلكترونية على خلفية مقطع فيديو نشره على الإنترنت انتقد فيه سلطات مصر والسعودية والإمارات.
وفي عام 2015، خلصت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين إلى أن التعريفات الواسعة والمبهمة للجرائم في قانون الجرائم الإلكترونية تُخِلّ بمبدأ الشرعية. كما اعتبر فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي في عام 2021 أن الأحكام التي تجرّم أفعالًا من قبيل إثارة الفتنة والإخلال بالنظام العام أو تعريض أمن الدولة القومي للخطر تفتقر إلى اليقين القانوني.
6.1.3 قانون العقوبات
يتضمن قانون الجرائم والعقوبات في دولة الإمارات العربية المتحدة لعام 2021 (ويُشار إليه فيما يلي بـ«قانون العقوبات»)، الذي حلّ محل قانون العقوبات الصادر عام 1987، عددًا من الأحكام المثيرة للقلق فيما يتعلق بتجريم التعبير عبر الإنترنت، حيث تتسم صياغة هذه الأحكام بالعمومية والغموض على نحوٍ يوازي إلى حد كبير قانون مكافحة الإرهاب، ما يتيح ملاحقة الانتقادات المشروعة الموجّهة إلى الحكومة جنائيًا.
تنصّ المادة 174 على معاقبة كل من قام بعمل ضد دولة أجنبية من شأنه «الإساءة للعلاقات السياسية» بالسجن لمدة قد تصل إلى السجن المؤبد، مع إمكانية الحكم بعقوبة الإعدام إذا رأت المحكمة أن ضررًا فعليًا قد وقع. كما تقرر حدًا أدنى للعقوبة لا يقل عن خمس سنوات إذا تمّ الفعل «عن طريق الكتابة أو الخطابة أو الرسم أو التصريح أو بأية وسيلة تقنية معلومات أو وسيلة إعلامية». وتنصّ المادة 212 على معاقبة بالسجن المؤبد كل من يدعو إلى أو يروّج، بأي وسيلة، إلى تجمهر في مكان عام بهدف الإخلال بالأمن العام. كما تعاقب المادة 215 بالسجن كل من يستخدم أي وسيلة اتصال أو تقنية معلومات أو أي وسيلة أخرى لنشر معلومات أو أخبار أو يحرض على أفعال من شأنها تعريض أمن الدولة للخطر أو المساس بالنظام العام. وتنصّ المادة 217 على معاقبة بالسجن لمدة لا تقل عن سنة كل من يذيع أو ينشر أخبارًا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة، أو بث دعاية مثيرة من شأنها «تكدير الأمن العام» أو «إلحاق الضرر بالمصلحة العامة»، وتُشدَّد العقوبة إلى حد أدنى قدره سنتان إذا أدت هذه الأفعال إلى «تأليب الرأي العام أو إثارته ضد إحدى سلطات الدولة أو مؤسساتها».
وقد وُجِّهت، استنادًا إلى المادة 174 من قانون العقوبات، التي كانت سابقًا المادة 166 وتجرّم أي فعل ضد دولة أجنبية من شأنه إلحاق الضرر بالعلاقات السياسية، إلى جانب أحكام من قانون الجرائم الإلكترونية، تهم ضد المدرّس والناشط الأردني أحمد العتوم على خلفية منشورات على فيسبوك انتقد فيها العائلة المالكة والحكومة الأردنية. أوقفته عناصر من جهاز أمن الدولة في مايو 2020، ثم حكمت عليه بالسجن لمدة عشر سنوات دائرة أمن الدولة في محكمة الاستئناف الاتحادية، استنادًا حصريًا إلى نشاطه السلمي على وسائل التواصل الاجتماعي. وخلص فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي إلى أن احتجازه كان تعسفيًا، معتبرًا أنه احتُجز بسبب ممارسته السلمية لحقه في حرية التعبير.
واعتُبرت أحكام قانون العقوبات غير منسجمة مع المعايير الدولية لحماية حرية التعبير، إذ إنّ الحظر العام على نشر المعلومات استنادًا إلى مفاهيم مبهمة مثل «المعلومات الكاذبة» أو المحتوى الذي «يُثير الرأي العام» لا يفي بمتطلبات مبدأ الشرعية، ويفسح المجال لملاحقة الانتقادات المشروعة الموجهة إلى الحكومة، ما يشكل انتهاكًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
6.1.4 دور جهاز أمن الدولة، ونيابة أمن الدولة، والنيابة الاتحادية لمكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، والمحاكم الاتحادية
تُطبّق دولة الإمارات العربية المتحدة إطارها القانوني لمكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية على التعبير عبر الإنترنت من خلال عدة هيئات تعمل دون ما يقتضيه القانون الدولي لحقوق الإنسان من رقابة واستقلالية وحياد قضائي.
يقع جهاز أمن الدولة ،الذي أُنشئ بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم 2 لسنة 2003، في قلب هذه البنية ويعمل تحت السلطة المباشرة لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة دون أي إشراف مؤسسي أو قضائي أو مالي. ووفقاً للمادة 14 من قانون 2003، يُكلَّف جهاز أمن الدولة بجمع وتحليل المعلومات المتعلقة بأي نشاط سياسي أو تنظيمي يُعتبر مُخلاً بأمن الدولة أو وحدتها الوطنية، أو أي نشاط قد يضر بالاقتصاد الوطني، أو يضعف موقع الدولة، أو يقوّض الثقة بها، إضافةً إلى مكافحة الأنشطة الإرهابية. وعلى أرض الواقع، قام جهاز أمن الدولة باعتقال كلٍّ من ناصر بن غيث وأحمد منصور وأحمد العتوم بسبب تعبيرهم عبر الإنترنت.
يُحال الأفراد الذين يتم اعتقالهم من قبل جهاز أمن الدولة بعد ذلك إلى نيابة أمن الدولة، التي تتولى تحريك الدعاوى الجزائية والتحكم في وصول المحامين وغيرهم من الأشخاص إلى المحتجزين، قبل أن يُحاكموا أمام محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية، التي هي الجهة ذات الاختصاص الأساسي في قضايا أمن الدولة منذ عام 2016. ويُنظر في أمر الطعون حصراً أمام دائرة أمن الدولة في المحكمة الاتحادية العليا. ويتم تعيين قضاة كلتا المحكمتين بموجب مرسوم رئاسي، وهو ما يحدّ بشكلٍ كبير من مبدأ فصل السلطات، ويُضعف الضمانات المتعلقة باستقلال القضاء وحياده على النحو الذي يفرضه القانون الدولي لحقوق الإنسان.
في عام 2022، أنشأ وزير العدل في دولة الإمارات نيابة اتحادية لمكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية ضمن مكتب النائب العام، تُكلَّف بالتحقيق في الجرائم ورفع الدعاوى الجزائية المتعلقة بالجرائم المنصوص عليها في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2021، وغيرها من الجرائم الماسة بأمن الدولة والتي تُرتكب باستخدام الشبكة المعلوماتية أو موقع إلكتروني أو أي من وسائل تقنية المعلومات. وعند اعتقال شخصٍ ما على خلفية مثل هذه الجرائم، تقوم الجهة المُنفِّذة لعملية التوقيف، سواء كانت جهاز أمن الدولة أو الشرطة، بإجراء تحقيقات أولية وتصنيف مبدئي غير ملزم للجريمة. وإذا اعتُبرت الواقعة جريمةً من جرائم أمن الدولة، تُحال القضية إلى نيابة أمن الدولة التي تتولى مراجعة هذا التصنيف واعتماده؛ أما إذا اعتُبرت جريمة إلكترونية عادية، فتُحال إلى النيابة الاتحادية لمكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية. ويحتفظ النائب العام بسلطة تقديرية لإعادة تصنيف القضايا بين وحدات النيابة المختلفة.
وفي عام 2022، أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن قلقها إزاء الغموض والعمومية المفرطة في المصطلحات في القانون المنشئ لجهاز أمن الدولة، والذي يمنح صلاحيات واسعة لجهاز أمن الدولة، إضافةً إلى غياب الشفافية فيما يتعلق بالقواعد المنظمة لعمل الجهاز. وفي عام 2015، خلصت المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين إلى أن النظام القضائي لا يزال خاضعاً للسيطرة الفعلية للسلطة التنفيذية، وأن أجهزة النيابة العامة تتأثر غالبًا بأعضاء من السلطة التنفيذية وأجهزة أمن الدولة. كما اعتبرت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي أن المحكمة الاتحادية العليا ليست مستقلة أو محايدة لأنها تخضع لسيطرة السلطة التنفيذية.
6.2 عبد الرحمن القرضاوي: القمع العابر للحدود والاخفاء القسري بسبب فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي
عبد الرحمن القرضاوي هو مواطن مصري-تركي كان يقيم في تركيا. وهو أيضاً شاعر وفنان وناشط معروف من أصول مصرية، تعكس أعماله الإبداعية أفكاره وآراءه ومخاوفه بشأن القضايا السياسية والاجتماعية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في يناير 2025، تم تسليمه من لبنان إلى الإمارات العربية المتحدة عقب نشر منشور له على الإنترنت، وذلك استناداً إلى تهم تتعلق بالأمن ومكافحة الإرهاب، ومن ثم تم احتجازه تعسفياً في الإمارات.
في ديسمبر 2024، سافر القرضاوي إلى دمشق للاحتفال بسقوط نظام الأسد. لم يكن مطار دمشق الدولي شغالًا في ذلك الوقت، وكان التنقل من سوريا وإليها يتم حصراً عبر لبنان. وفي 28 ديسمبر 2024، وأثناء عودة القرضاوي من دمشق، تم توقيفه واحتجازه من قبل عناصر الأمن العام اللبناني عند معبر المصنع الحدودي بين سوريا ولبنان.
واستند التوقيف في بادئ الأمر إلى طلب تسليم صادر عن مصر، حيث كان القرضاوي قد حُكم عليه غيابياً في عام 2017 بتهم من بينها نشر أخبار كاذبة، في قضية انتقدتها منظمات المجتمع المدني واعتبرتها ذات دوافع سياسية. وفي اليوم التالي، أي في 29 ديسمبر 2024، صدرت مذكرة توقيف ثانية عن النيابة الاتحادية لمكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وجرى تعميم مذكرة التوقيف عبر إدارة النيابة الجزائية والبيانات التابعة لمجلس وزراء الداخلية العرب، وهو جهاز تابع لجامعة الدول العربية يعزز التعاون الإقليمي في مجال الأمن ومكافحة الجريمة، ويملك صلاحية تعميم أوامر التوقيف وتسهيل إجراءات التسليم بين الدول الأعضاء.
شملت التهم الموجهة إلى القرضاوي من قبل السلطات الإماراتية "القيام بأنشطة تهدف إلى إثارة وتقويض الأمن العام"، وبالتحديد "نشر أخبار زائفة وشائعات عبر الشبكة المعلوماتية بقصد إثارة الرأي العام والإخلال بالأمن العام، واستخدام الشبكة المعلوماتية لنشر محتوى يثير الفتنة، ما يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام، أو ارتكاب أفعال قد تحرض على خطاب الكراهية". وتبدو هذه التهم مستندة إلى المادتين 24 و52 من قانون الجرائم الإلكترونية. وقد نشأت هذه الاتهامات عن فيديو نشره القرضاوي على منصة X في ديسمبر 2024، تم حذفه لاحقاً. ويظهر الفيديو، الذي صُوِّر داخل المسجد الأموي في سوريا، القرضاوي وهو ينتقد سلطات مصر والسعودية والإمارات، ويعبّر عن أمله في أن تلقى هذه الأنظمة المصير نفسه الذي آل إليه نظام الأسد. وعلى الرغم من أن القرضاوي ليس مواطناً إماراتياً ولا مقيماً فيها، ولا تربطه أي صلة بالدولة، فقد باشرت الإمارات إجراءات جنائية بحقه استناداً إلى هذا المحتوى.
بقي القرضاوي بعد توقيفه محتجزاً في لبنان أثناء اتخاذ الإجراءات القانونية الداخلية لتحديد ما إذا كان سيتم تنفيذ طلب التسليم المصري أو الإماراتي. وفي 8 يناير 2025، تم تسليم القرضاوي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بعد موافقة مجلس الوزراء اللبناني. وعقب نقل القرضاوي إلى الإمارات، تعرّض للاخفاء القسري، ولا يزال محتجزاً تعسفياً في ظروف من العزل شبه التام.
وجّه خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان قبل تسليم القرضاوي بلاغاً عاجلاً إلى السلطات اللبنانية في 6 يناير 2025، وأصدروا بياناً صحفياً في 8 يناير يحذّر من تسليم القرضاوي ويعرب عن قلق بالغ من أن التهم الموجهة إليه "غامضة وواسعة النطاق" وأنها تأتي "انتقاماً من ممارسة القرضاوي المشروعة لحقه في حرية التعبير". وفي مارس 2025، وبعد أكثر من 90 يوماً من الاخفاء القسري، صرّح خبراء الأمم المتحدة بأن "أسوأ مخاوفنا من أن يتعرض السيد القرضاوي لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في حال تسليمه إلى الإمارات تبدو أنها قد تحققت"، داعين الإمارات إلى الكشف عن مكان احتجازه والإفراج عنه. ومنذ ذلك الحين، أثار خبراء الأمم المتحدة مخاوف بشأن قضية القرضاوي في مناسبات عدة، مكررين أن احتجازه ناجم حصراً عن ممارسته السلمية لحقه في حرية التعبير.
7. إسرائيل/فلسطين
تنتهج إسرائيل منذ سنوات طويلة سياسة تمييز ممنهجة ضد الفلسطينيين، وصفتها كلٌّ من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بأنها نظام فصل عنصري " أبارتهايد". وفي هذا السياق، حرمت السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين من حقوقهم وحرياتهم الأساسية، بما في ذلك الحق في حرية التعبير، واستهدفتهم بصورة منهجية بسبب خطابهم المناهض للاحتلال ونشاطهم السياسي. وتفاقم هذا الاستهداف بشكل خاص منذ أكتوبر 2023، وفي سياق ما وُصف بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين في غزة. وفي يناير 2026، أفادت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأنه منذ 7 أكتوبر 2023، تقلص الحيّز المدني للفلسطينيين باستمرارٍ في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وأن السلطات الإسرائيلية تطبّق أحكام غامضة متعلقة بالتعبير بطريقة تمييزية لقمع حرية التعبير لدى الفلسطينيين بشكل شديد، كما صعّدت من عمليات احتجاز الفلسطينيين وإساءة معاملتهم على خلفيات سياسية وبسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تتعلق بالحرب في غزة، بمن فيهم النشطاء المناهضون للاحتلال والمدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون.
وفي 30 مارس 2026، أقرّ الكنيست قانوناً يوسّع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام في الجرائم المرتبطة بالإرهاب بصورة تمييزية ضد الفلسطينيين، وهو ما حذّر خبراء الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني منه، معتبرين أن هذا القانون ينتهك القانون الدولي. وأشارت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير في تقريرها لعام 2024 أن التحديات المباشرة وغير المباشرة التي تواجه حرية الرأي والتعبير والناجمة عن النزاع في غزة تشمل الاعتداءات على الصحفيين ووسائل الإعلام ما يهدد الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالنزاع على المستوى العالمي، وقمع الأصوات والآراء الفلسطينية بطريقة تمييزية وغير متناسبة، وطمس الحدود الفاصلة بين الخطاب المحمي والخطاب المحظور.
وعقب أكتوبر 2023، أفادت التقارير بمقتل 289 صحفياً في غزة حتى ديسمبر 2025، واعتقال ما لا يقل عن 202 صحفي فلسطيني في غزة والضفة الغربية بحلول أكتوبر 2025. ووصف صحفيون أُفرج عنهم لاحقاً جلسات استجواب ركّزت على تغطياتهم الصحفية أو منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي استناداً إلى اتهامات غامضة بـ«التحريض» أو «دعم الإرهاب» أو تهديد «الأمن القومي» الإسرائيلي. وحذّر عدد من المقررين الخاصين للأمم المتحدة في فبراير 2024 من أن عمليات القتل والاحتجاز هذه تبدو وكأنها استراتيجية متعمدة من قبل القوات الإسرائيلية لعرقلة عمل وسائل الإعلام وإسكات التغطية الصحفية الناقدة. أما داخل إسرائيل والقدس الشرقية، فقد وصف المركز القانوني (عدالة) حملة القمع التي أعقبت أكتوبر 2023 بأنها «واسعة النطاق» و«منسّقة»، وشملت اعتقالات جماعية لمواطنين فلسطينيين بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. كما وثّقت اعتقال ما لا يقل عن 645 شخصاً بتهم مرتبطة بالتعبير بموجب قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي بين 7 أكتوبر 2023 ونهاية أبريل 2025، وكانت الغالبية الساحقة منهم من الفلسطينيين.
7.1 الإطار القانوني والمؤسساتي
7.1.1 قانون مكافحة الإرهاب
يتضمن قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي لعام 2016 تعريفاً واسعاً وغامضًا للإرهاب، إلى جانب عدد من الأحكام التي استُخدمت بصورة منهجية لتجريم التعبير الفلسطيني عبر الإنترنت، بما في ذلك منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لا يقتصر أثر تطبيقها على الملاحقة الجنائية فحسب، بل يمتد إلى فرض عواقب وخيمة على الأفراد وعائلاتهم.
ويعرّف القانون في مادته الثانية العملَ الإرهابي بأنه «فعل» أو «تهديد بارتكاب فعل من هذا القبيل» يكون «مدفوعاً بباعث سياسي أو ديني أو قومي أو أيديولوجي»، ويتم «بقصد إثارة الخوف أو الذعر بين الجمهور، أو بقصد إرغام حكومة أو سلطة حكومية أخرى، بما في ذلك حكومة أو سلطة حكومية لدولة أجنبية، أو منظمة دولية عامة، على القيام بفعل ما أو الامتناع عن القيام به». ويُشترط أيضاً أن ينطوي «الفعل المرتكب أو المهدَّد بارتكابه» على، أو أن يشكّل «خطراً فعلياً» بحدوث، «إلحاق ضرر جسيم بالأماكن الدينية»، أو «إلحاق ضرر جسيم بالبنى التحتية أو الأنظمة أو الخدمات الأساسية، أو التسبب في تعطيلها بصورة خطيرة، أو إلحاق ضرر جسيم باقتصاد الدولة أو بالبيئة».
المادة 24 تجرّم «إظهار الانتماء إلى منظمة إرهابية والتحريض على الإرهاب». وتنص المادة 24 (أ) على معاقبة بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات كل من «يقوم بفعل إظهار الانتماء إلى منظمة إرهابية، بما في ذلك نشر كلمات المديح أو الدعم أو التعاطف، أو رفع علم، أو عرض أو نشر رمز، أو عرض أو تشغيل أو نشر شعار أو نشيد». وتنص المادة 24 (ب) على عقوبة تصل إلى خمس سنوات سجن لكل من «ينشر دعوة مباشرة لارتكاب عمل إرهابي» أو من «ينشر المديح أو التعاطف أو التشجيع أو الدعم لعمل إرهابي، أو إظهار الانتماء إليه، عندما يكون لمضمون النشر والظروف التي نُشر فيها ما يخلق احتمالاً كبيراً بأن يؤدي ذلك إلى ارتكاب عمل إرهابي». أما المادة 24 (ج)، التي أُدخلت بموجب تعديل صدر في نوفمبر 2023، فتنص على معاقبة بالسجن لمدة تصل إلى سنة واحدة على «الاستهلاك المنهجي والمستمر لمنشورات صادرة عن منظمة إرهابية» في ظروف تشير إلى «الانتماء إلى تلك المنظمة الإرهابية». ويمكن أن تشمل هذه المنشورات «التعبير عن المديح أو التعاطف أو التشجيع لعمل إرهابي» و«توثيق عمل إرهابي». ويُحدّد هذا البند أن تنظيمي الدولة الإسلامية (داعش) وحماس مصنّفان كمنظمتين إرهابيتين تنطبق عليهما هذه الجريمة. وتشير التقارير إلى أن تنفيذ تعديل عام 2023 يتطلب من أجهزة إنفاذ القانون الإسرائيلية استخدام أدوات مراقبة تطفلية لفتح تحقيقات جنائية بحق الأفراد، بما في ذلك مراقبة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي.
عملياً، طُبّقت المادة 24 بطريقة واسعة وتمييزية ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بسبب تعبيرهم على الإنترنت. ففي الفترة ما بين 7 أكتوبر 2023 ونهاية أبريل 2025، تم توقيف ما لا يقل عن 645 شخصاً بتهم تتعلق بحرية التعبير بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وكانت الغالبية الساحقة منهم من الفلسطينيين. وخلال الشهر الأول الذي تلا 7 أكتوبر 2023 وحده، وثّق مركز عدالة 121 حالة من أصل 251 حالة اعتقال أو احتجاز رُصدت، وكانت ال121 حالة مرتبطة بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وبحلول نهاية أكتوبر 2024، كانت السلطات الإسرائيلية قد قدّمت 205 لوائح اتهام في هذه القضايا. وتم اعتقال ياسمين قدورة، التي يستعرض هذا التقرير حالتها، وتوجيه اتهامات إليها بموجب المادتين 24 (أ) و(ب) من قانون مكافحة الإرهاب بسبب حالة على تطبيق واتساب.
ولا يقتصر أثر تصنيف «الإرهاب» الوارد في هذه الأحكام على الملاحقة الجنائية فقط. فبموجب قانون 2018 بشأن تجميد الأموال المدفوعة من السلطة الفلسطينية على صلة بالإرهاب من العائدات المحوّلة من الحكومة الإسرائيلية، يُعرّف «العنصر الإرهابي» أيضاً بأنه الشخص «الذي أُدين» أو «المحتجز للاشتباه بارتكابه» جرائم بموجب قانون مكافحة الإرهاب. وتنص المادة 11 من قانون الدخول إلى إسرائيل والمواطنة لعام 2022، بصيغته المعدلة في 2025، على منح وزير الداخلية صلاحية رفض تأشيرات الدخول أو تصاريح الإقامة لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة أو أفراد أسرهم إذا أُدينوا بجريمة إرهابية أو اعتُبروا «عناصر إرهابية». كما ينص قانون 2024 بشأن ترحيل عائلات الإرهابيين على أنه يمكن لوزير الداخلية إصدار أمر بترحيل أحد أفراد عائلة «العنصر الإرهابي» إلى قطاع غزة أو أي وجهة أخرى إذا «عبّر هذا الفرد عن دعم أو انتماء لعمل إرهابي، أو نشر كلمات مديح أو تعاطف أو تشجيع لعمل إرهابي أو لمنظمة إرهابية».
أعربت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في عام 2022 عن قلقها من أن قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي يتضمن تعريفاً «عامًّا وغامضاً» للعمل الإرهابي، قد «يُستخدم لقمع وتجريم الأفعال السياسية أو الإنسانية المشروعة». كما أعربت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة عن مخاوف من أن «التجريم الواسع للمديح والدعاية والتشجيع» قد يمسّ «حرية التعبير والرأي المحميين بموجب القانون الدولي»، وقد يُستخدم ضد «المدافعين عن حقوق الإنسان، ومنتقدي الحكومة، وغيرهم من ممثلي المجتمع المدني» الذين يجب حماية أنشطتهم السلمية. كما أُثيرت مخاوف خاصة بشأن المادة 24 (ج) بسبب احتوائها على «عدة مصطلحات غامضة ومفرطة العمومية»، بما في ذلك معنى «الاستهلاك المنهجي والمستمر»، وما يشكّل «مديحاً أو تعاطفاً أو تشجيعاً» لعمل إرهابي، وتعريف «العمل الإرهابي» ذاته، ومفهوم «الانتماء» إلى منظمة إرهابية. وأشارت إلى أن هذه الأحكام «الغامضة قد يساء استخدامها، خصوصاً في سياقات أمنية مشددة وفي ظل احتمال تطبيقها بطريقة تمييزية ضد الفلسطينيين». كما أعربت الإجراءات الخاصة عن شواغلها من أن قانون ترحيل عائلات الإرهابيين يرسّخ الوصم الجماعي لأفراد أسر أبرياء بسبب صلتهم بشخص متهم بالإرهاب، مشيرة إلى أن «الغموض والعمومية المفرطة في تعريف المصطلحات المرتبطة بالخطاب»، إضافة إلى «التعريف الواسع جداً للإرهاب في القانون الإسرائيلي»، يؤدي إلى «تداعيات مُخيفة على حرية التعبير». وفي عام 2025، أعربت أيضاً لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن قلقها إزاء «استخدام أحكام غامضة ومفرطة العمومية في قانون مكافحة الإرهاب»، بما في ذلك تعديل 2023 الذي يحظر «استهلاك المواد الإرهابية»، لما قد يترتب عليه من تجريم حرية التعبير، والوصول إلى المعلومات، وعمل المدافعين عن حقوق الإنسان.
7.1.2 قانون تجريم إنكار أحداث 7 أكتوبر
يُدخل قانون 2025 الإسرائيلي بشأن تجريم إنكار أحداث المجازر في 7 أكتوبر 2023 (مجزرة «شِميني عتسيرت»)، والمشار إليه لاحقاً بـ«قانون إنكار 7 أكتوبر»، قيوداً إضافية على حرية التعبير، إذ يجرّم أي تصريح ينكر أحداث 7 أكتوبر بصياغات غامضة ومفرطة العمومية، ما يهدد بتجريم الخطاب السياسي المشروع.
يعاقب القانون، بموجب مادته 3، بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات «كل من ينشر، كتابةً أو شفهياً، تصريحات تنكر مجزرة 7 أكتوبر»، وذلك بقصد «الدفاع عن منظمة حماس الإرهابية وشركائها، أو التعبير عن التعاطف معهم، أو إظهار الانتماء إليهم». وتعرّف المادة 2 «مجزرة 7 أكتوبر» بأنها «أحداث المجزرة التي نُفذت بشكل منظم ومتعمد من قبل منظمة حماس الإرهابية وشركائها» في 7 و8 أكتوبر 2023.
وقد أعرب خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عن قلقهم إزاء هذا النص، مشيرين إلى أن تعريف «مجزرة 7 أكتوبر» «غامض ومفرط العمومية لأنه لا يحدد أنواع الوقائع» التي يشملها تعريف المجزرة أو ما يشكّل إنكارها. وأوضح الخبراء أنه «من غير الواضح ما إذا كان، على سبيل المثال، نشر تصريح مكتوب أو شفهي يشكك في وقائع منفصلة ضمن السياق الأوسع لـ’أحداث المجزرة‘ يمكن اعتباره إنكاراً بموجب القانون وبالتالي يعرّض صاحبه للمساءلة الجنائية»، مشيرين إلى أن إسرائيل «لم تُجرِ بعد تحقيقاً مستقلاً وشاملاً ومحايداً في هذه الأحداث»، وبالتالي «لا يوجد حتى الآن سجل مستقل موثوق ومحقق بشكل شامل لـ’الأحداث‘ يمكن اعتباره مرجعاً لتحديد مفهوم الإنكار، حتى لو كان ذلك جائزاً بموجب القانون الدولي». كما حذّروا من أن العناصر الغامضة، بما في ذلك نية «الدفاع عن» أو «إظهار التعاطف مع» أو «إظهار الانتماء إلى» حماس «وشركائها»، وكذلك تحديد من هم هؤلاء «الشركاء»، قد «تشمل على نحو محتمل تعبيرات مشروعة عن دعم الحق في تقرير المصير الوطني الفلسطيني والتحرر الوطني، بما في ذلك مقاومة الاحتلال الإسرائيلي»، وهو ما «اعتبرته محكمة العدل الدولية غير قانوني في فتواها الاستشارية لعام 2024».
7.1.3 دور أجهزة إنفاذ القانون والمحاكم العسكرية
تتولى عدة جهات تنفيذ الإطار القانوني الإسرائيلي المتعلق بالخطاب الإلكتروني: فشرطة إسرائيل وجهاز الأمن العام الإسرائيلي لا يتمتعان بالاستقلال المؤسسي المطلوب بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، في حين أن المحاكم العسكرية التي يُحاكم أمامها الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة لا تستوفي متطلبات الاستقلال القضائي والحياد، مما يتيح ملاحقة الفلسطينيين بسبب تعبيرهم السلمي عبر الإنترنت تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وضمان الأمن.
ويُعد جهاز الأمن العام الإسرائيلي، وهو جهاز الاستخبارات والأمن الداخلي الخاضع لمكتب رئيس الوزراء والمعروف أيضاً باسم «الشاباك» أو «شين بيت»، إلى جانب شرطة إسرائيل الخاضعة لسلطة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، من الجهات المركزية في حملة القمع ضد التعبير الفلسطيني على الإنترنت. وقد أنشأ وزير بن غفير فرقة عمل في فبراير 2023 لمكافحة ما يُزعم أنه «تحريض على الإرهاب» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبلغ عدد القضايا التي حققت فيها حتى 19 تشرين أكتوبر 2023 نحو 180 قضية، أسفرت عن 63 اعتقالاً. وبين تشرين أكتوبر 2023 وأبريل 2025، ارتفع العدد إلى 1,052 مشتبهًا في قضايا مرتبطة بالتعبير، كان 948 منهم من الفلسطينيين.
يُحاكم الفلسطينيون المتهمون بجرائم أمنية مرتبطة بالتعبير في الضفة الغربية وقطاع غزة أمام محاكم عسكرية منذ عام 1967. وأدان أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة في يوليو 2024 هذا النظام، مشيرين إلى أن وظائف الشرطة والمحقق والمدعي والقاضي تصبّ في المؤسسة الهرمية ذاتها، أي الجيش الإسرائيلي، وأن المدعين يمكنهم حرمان المحتجزين من حق الوصول إلى محامٍ لمدة تصل إلى 60 يوماً، واصفين النظام بأنه نظام عقابي صارم يُدار عسكرياً ويُطبّق حصراً على الفلسطينيين دون ضمانات للإجراءات القانونية الواجبة.
وخلال الفترة بين 7 أكتوبر و7 نوفمبر 2023، وثّق مركز عدالة 251 حالة اعتقال واستجواب و«جلسات تحذيرية» بحق مواطنين فلسطينيين في إسرائيل نفذتها الشرطة أو الشاباك، ارتبط 121 منها مباشرة بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، مع الإشارة إلى أن الشرطة أفادت بأن ما لا يقل عن 95% من المشتبه بهم كانوا من العرب. وقد استندت هذه الاعتقالات أساساً إلى شبهات «التحريض على الإرهاب» و«الانتماء إلى منظمات إرهابية» بموجب المادة 24 من قانون مكافحة الإرهاب.
7.2 ياسمين قدورة: تجريم حالة على واتساب باعتبارها تحريضاً على الإرهاب
ياسمين قدورة مواطنة فلسطينية في إسرائيل، ربة منزل وأم لخمسة أطفال من قرية نحف، ولا تملك أي سجل جنائي سابق أو انخراط في نشاطات سياسية. وكانت من بين ما لا يقل عن 16 امرأة فلسطينية من المواطنات الإسرائيليات اللواتي اعتُقلن فقط على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الفترة بين 7 أكتوبر و30 نوفمبر 2023، بتهم تتعلق بالتحريض و/أو دعم الإرهاب، وذلك ضمن ما وصفه مركز عدالة بموجة اعتقالات غير مسبوقة قادها وزير الأمن القومي بن غفير بهدف قمع المعارضة.
في 13 أكتوبر 2023، وصل عناصر من الشرطة الإسرائيلية إلى منزل قدورة لاعتقالها، استناداً إلى حالة نشرتها على تطبيق واتساب صباح 7 أكتوبر 2023، والتي تضمنت التعبير التالي: «هذا الصباح فخر لن يُنسى، 7 أكتوبر 2023. الله ينصرهم ويحفظهم». وهذا المنشور تمت مشاركته مع حلقة محدودة من الناس، وإنه كان في الأصل قد نُشر من قبل أحد زملائها، حسب أقوال محامية دفاع قدورة. وقد اعتبرت السلطات الإسرائيلية أن المنشور يتضمن كلمات مديح ودعم وانتماء لمنظمة حماس الإرهابية.
ويُظهر مقطع فيديو لاعتقال قدورة، تم تداوله على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، عنصرين من الشرطة عند باب منزلها وهما يبلغانها بأنها موقوفة بتهمة «المشاركة في نقاش أو دعمه بما يروّج للعنف أو الإرهاب أو أي أنشطة ضارة»، و«الإفصاح عن الانتماء إلى منظمة إرهابية»، بينما كانت قدورة تصرخ في حالة من الانهيار الواضح. كما تم اعتقال زوجها في المكان نفسه بعد تدخله لمحاولة منع الاعتقال، ثم أُفرج عنه لاحقاً. ووصفت محامية دفاع قدورة عملية الاعتقال بأنها «وحشية وغير إنسانية»، واعتبرت أن قيام الشرطة بتصوير قدورة ونشر صورتها أثناء الاعتقال يشكل خرقاً قانونياً. وكانت قدورة في المراحل الأولى من الحمل عند اعتقالها، وهو ما تبيّن يوم احتجازها.
احتُجزت قدورة في سجن الدامون في ظروف احتجازٍ قاسية. وخلال جلسة محكمة عُقدت عبر تطبيق زووم، أفادت بأنها تعاني من آلام مستمرة، وأن إعطاءها الدواء يتم بطريقة مهينة ودون أي فحص طبي، وأنها تخشى على جنينها وعلى حياتها. وأفاد محامية الدفاع بأن إدارة السجن رفضت السماح لها بإجراء فحوصات طبية رغم حقها في ذلك بموجب البروتوكولات المعمول بها. ثم نُقلت قدورة خلال احتجازها إلى مستشفى رمبام في حيفا بعد تدهور حالتها الصحية.
في أوائل نوفمبر 2023، قدّمت النيابة العامة لائحة اتهام ضد قدورة أمام محكمة منطقة حيفا، متهمةً إياها بـ«التحريض على الإرهاب» و«إظهار الانتماء إلى منظمة إرهابية» بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وذلك استناداً إلى منشور حالة واتساب. وتندرج هذه التهم ضمن المادة 24 (أ) من قانون مكافحة الإرهاب، التي تجرّم «فعل إظهار الانتماء إلى منظمة إرهابية، بما في ذلك نشر كلمات مديح أو دعم أو تعاطف»، والمادة 24 (ب)، حيث جاء في لائحة الاتهام أن «مضمون المنشور والظروف المحيطة به يشكّلان احتمالاً حقيقياً لارتكاب عمل عنف أو إرهاب».
وبعد عدة جلسات وإجراءات استئناف، أفادت التقارير بأن محكمة منطقة حيفا قبلت بشكل مؤقت استئنافاً قدّمته محامية قدورة ضد قرار محكمة الصلح القاضي باستمرار احتجازها حتى انتهاء الإجراءات، معتبرةً بشكل خاص أن المنشور تم نشره داخل نطاق ضيق على تطبيق واتساب ولم يكن واسع الانتشار، وأن قدورة لا تملك سجلاً جنائياً ولم تكن شخصية سياسية.
وفي 14 كانون يناير 2024، وافقت محكمة الصلح في حيفا على إطلاق سراح قدورة بشروط مقيدة، شملت الإقامة الجبرية الصارمة، ومنع السفر لمدة 180 يوماً، ومنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وفي 27 نوفمبر 2025، أدانت محكمة الصلح في حيفا قدورة بتهمة «التحريض على الإرهاب والتعبير عن الانتماء إلى منظمة إرهابية»، وحكمت عليها بتسعة أشهر من الخدمة المجتمعية وغرامة مالية.
8. الخاتمة والتوصيات
في الختام، تكشف الأطر القانونية والمؤسسية التي تناولها هذا التقرير عن نمطٍ متسق ومنهجي في كلٍّ من الجزائر والأردن والسعودية والإمارات وإسرائيل/فلسطين، يتمثل في الاستغلال المتعمّد لتشريعات مكافحة الإرهاب والأمن القومي لتجريم التعبير السلمي عبر الإنترنت وإسكات الأصوات المعارضة. ففي جميع البلدان محلّ الدراسة، لا تستوفي التعريفات الغامضة والمفرطة العمومية للإرهاب، وأحكام الجرائم الإلكترونية، والقوانين المرتبطة بالأمن، متطلبات القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد جرى توظيفها كسلاح ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنشطاء والأفراد العاديين بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت. وتجسّد قضايا علي معمري، وكميل الزعبي، ومناهل العتيبي، وعبد الرحمن القرضاوي، وياسمين قدورة الكيفية التي تُطبَّق بها هذه الأطر القانونية. إذ جرى تجريم منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، ورسائل خاصة، ووسوم، ومقاطع فيديو إلكترونية باعتبارها جرائم إرهابية أو تهديدات أمنية، وترتّب عن ذلك عواقب مدمّرة على حياة الأفراد، وتداعيات وخيمة طالت حرية التعبير والحيّز المدني في مختلف أنحاء المنطقة.
وعلى ضوء الاعتبارات المذكورة أعلاه، تقترح منّا لحقوق الإنسان التوصيات التالية:
توصيات عامة إلى سلطات الدول:
- ضمان توافق جميع تشريعات مكافحة الإرهاب والأمن القومي مع متطلبات القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك مبادئ الشرعية، والهدف المشروع، والضرورة، والتناسب، المنصوص عليها في المادة 19(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وضمان أن يستثني نطاق الجرائم صراحةً أفعال المناصرة، أو الاحتجاج، أو المعارضة، أو التعبير السياسي السلمي، وذلك انسجامًا مع التعريف النموذجي الذي وضعه المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب؛
- إلغاء أو تعديل جميع الأحكام التي تُجرّم تبرير الإرهاب أو تمجيده أو الإشادة به أو التعاطف معه أو التشجيع عليه، بما يتوافق مع التعليق العام رقم 34 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان، والمعايير التي وضعها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان؛
- إلغاء جميع الأحكام التي تُجرّم الأخبار الزائفة أو الشائعات أو المعلومات المضللة أو المفاهيم المماثلة الواردة في تشريعات مكافحة الإرهاب أو الأمن أو الجرائم الإلكترونية، وذلك انسجامًا مع الإعلان المشترك لعام 2017 بشأن حرية التعبير و«الأخبار الزائفة» والتضليل والدعاية، إذ إن الحظر العام القائم على مثل هذه المفاهيم المبهمة والغامضة يتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان؛
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الأفراد المحتجزين فقط بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت، بما في ذلك من خلال منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، والرسائل الخاصة، والمنشورات الإلكترونية؛
- ضمان عدم قيام أجهزة إنفاذ القانون والأجهزة الأمنية بمراقبة حسابات الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي، أو اتصالاتهم الخاصة، أو أنشطتهم الإلكترونية، في غياب رقابة قضائية وأساس قانوني واضح يستوفي متطلبات الضرورة والتناسب؛
- ضمان إجراء تحقيقات مباشرة ومستقلة ونزيهة في جميع الادعاءات المتعلقة بالتعذيب، أو سوء المعاملة، أو الاختفاء القسري بحق الأفراد المحتجزين على خلفية أمنية أو متعلقة بمكافحة الإرهاب، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالتعبير عبر الإنترنت، وضمان مساءلة المسؤولين عنها؛
- ضمان أن تُجرى جميع الإجراءات الجنائية المتعلقة بالأمن ومكافحة الإرهاب، بما في ذلك تلك المرتبطة بممارسة الحق في حرية التعبير عبر الإنترنت وخارجه، أمام محاكم مدنية مستقلة ومحايدة، وبما يتوافق كاملًا مع الحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في التمثيل القانوني، وافتراض البراءة، وحظر استخدام الأدلة المنتزعة تحت التعذيب أو الإكراه؛
- الامتناع عن تسليم الأفراد أو نقلهم أو إعادتهم بأي شكل آخر إلى بلدان يواجهون فيها خطرًا حقيقيًا بالتعرّض للاضطهاد، أو الاحتجاز التعسفي، أو التعذيب، أو الملاحقة القضائية بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير، بما في ذلك عبر الإنترنت، وتعليق تنفيذ طلبات التسليم المتداولة عبر مجلس وزراء الداخلية العرب إلى حين إصلاح أطره وأنظمته بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك إنشاء آليات مستقلة للرقابة والمراجعة لمنع إساءة استخدام إجراءاته لأغراض القمع العابر للحدود.
إلى الجزائر:
- إلغاء المادة 87 مكرر من قانون العقوبات أو تعديلها تعديلًا جذريًا بما يضمن توافقها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وذلك من خلال حذف المصطلحات الغامضة والمفرطة العمومية، مثل "التخريب"، و"الوسائل غير الدستورية"، و"المساس بالسلامة الترابية"، بما ينسجم مع توصيات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وأصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة؛
- تعديل المادة 87 مكرر 1 من قانون العقوبات لإلغاء تشديد العقوبة التلقائي المطبق على الجرائم الإرهابية المرتكبة باستخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال، نظرًا لما يؤدي إليه ذلك من زيادة غير متناسبة في شدة العقوبات المفروضة على الأفراد بسبب تعبيرهم السلمي عبر الإنترنت؛
- إلغاء المادتين 87 مكرر 4 و87 مكرر 5 من قانون العقوبات، اللتين تُجرّمان "الإشادة ب" الإرهاب و"التشجيع عليه" من دون اشتراط توافر نية ارتكاب الفعل أو وجود صلة سببية بخطر ارتكاب عمل عنيف، واللتين استُخدمتا لملاحقة أفراد بسبب تعبيرهم السلمي عبر الإنترنت؛
- إلغاء المادة 87 مكرر 9 من قانون العقوبات، التي تحظر الإفراج المشروط عن الأفراد المدانين بجرائم إرهابية، بما في ذلك أولئك الذين أُدينوا فقط بسبب تعبيرهم السلمي عبر الإنترنت، لكونها غير متناسبة وتتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان؛
- إلغاء أو تعديل المادة 87 مكرر 12 من قانون العقوبات، التي تُجرّم استخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال لـ"نشر أفكار" التنظيمات الإرهابية، نظرًا إلى ما تتضمنه من عبارات غامضة ومفرطة العمومية، وما تتيحه من إمكانية تطبيقها على التعبير المشروع عبر الإنترنت والعمل الصحفي؛
- إلغاء المادة 196 مكرر من قانون العقوبات، التي تُجرّم نشر "معلومات كاذبة أو افترائية" يُحتمل أن تمسّ بالأمن أو النظام العام، أو على الأقل تعديلها بحيث تتضمن تعريفًا واضحًا ودقيقًا للمحتوى المحظور، واشتراط توافر نية ارتكاب الفعل، وفرض عقوبات متناسبة مع الفعل المعني، وذلك بما يتوافق مع الإعلان المشترك لعام 2017 بشأن حرية التعبير و«الأخبار الزائفة» والتضليل والدعاية؛
- إلغاء أو تعديل المادة 96 من قانون العقوبات بما يضمن عدم استخدامها لتجريم نشر المعلومات أو الآراء ذات المصلحة العامة، وإزالة العقوبة المضاعفة المتعلقة بالمواد ذات "المصدر أو الإلهام الأجنبي"، لما تفرضه من قيود غير متناسبة على الوصول إلى المعلومات وحرية التعبير؛
- مراجعة الأمر رقم 21-09 المتعلق بحماية المعلومات والوثائق الإدارية بما يضمن تحديد فئات التصنيف بدرجة كافية من الدقة، وقصرها على المعلومات التي يشكل الكشف عنها تهديدًا حقيقيًا وقابلًا للإثبات للأمن القومي، وتوفير استثناءات مناسبة للصحافة، والتقارير ذات المصلحة العامة، والبحث العلمي، وإخضاع صلاحيات المراقبة لرقابة قضائية فعّالة؛
- تعديل قانون الإعلام لسنة 2023 لإزالة القيود الفضفاضة المفروضة على النشاط الصحفي، بما في ذلك حظر الترويج المباشر أو غير المباشر للإرهاب أو التعصب من دون تعريفات واضحة ودقيقة؛
- ضمان استفادة الأفراد المحتجزين على خلفية أمنية أو متعلقة بمكافحة الإرهاب، بما في ذلك في القضايا المرتبطة بالتعبير عبر الإنترنت، من الضمانات الأساسية للإجراءات القانونية الواجبة منذ لحظة الحرمان من الحرية، بما يشمل الإخطار السريع بالتهم، والحماية من الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، والوصول الفوري إلى محامٍ يختارونه، وحظر استخدام الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب أو الإكراه، والحق في الطعن في قانونية الاحتجاز أمام سلطة قضائية مستقلة، وذلك بما يتوافق مع المادتين 9 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب؛
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن علي معمري وجميع الأشخاص المحتجزين تعسفيًا والمستهدفين بسبب ممارستهم لحقهم في حرية التعبير، وضمان جبر الضرر الكامل عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرضوا لها.
إلى الأردن:
- إلغاء قانون مكافحة الإرهاب أو تعديله تعديلًا جوهريًا بما يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك إزالة العناصر الغامضة والمفرطة العمومية فيه، مثل "الإخلال بالنظام العام"، و"إثارة الفتنة"، و"تعكير صلات الدولة مع دولة أجنبية"، وذلك انسجامًا مع توصيات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة؛
- إلغاء المادة 15 من قانون الجرائم الإلكترونية بالقدر الذي تُجرّم فيه "الأخبار الكاذبة التي تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي"، وذلك وفقًا للإعلان المشترك لعام 2017 بشأن حرية التعبير و«الأخبار الزائفة» والتضليل والدعاية؛
- إلغاء قانون الجرائم الإلكترونية أو تعديله تعديلًا جوهريًا، ولا سيما المادتين 17 و25، بما يضمن توافق الأحكام الفضفاضة والمفرطة العمومية التي تُجرّم التعبير الذي قد "يثير الفتنة" أو "يسيء إلى الأديان"، وتوسّع المسؤولية الجنائية لتشمل مديري حسابات وصفحات ومجموعات وقنوات وسائل التواصل الاجتماعي عن المحتوى الذي ينشره الآخرون، مع متطلبات الشرعية والضرورة والتناسب المنصوص عليها في المادة 19(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
- إلغاء المادة 149(1) من قانون العقوبات، التي تُجرّم "تقويض النظام السياسي أو التحريض على مناهضته"، والتي استُخدمت لملاحقة الخطاب السياسي السلمي، بما يتوافق مع توصيات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بشأن حماية التعبير النقدي؛
- ضمان عمل دائرة المخابرات العامة ومديرية الأمن العام، بما في ذلك وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة لها، في امتثال كامل لسيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك وضع حد لعمليات التوقيف التي تُنفذ من دون مذكرات قضائية، والامتناع عن التعامل مع ممارسة الحق في حرية التعبير عبر الإنترنت باعتبارها مسألة أمنية تستدعي التحقيق، وذلك بما يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان؛
- حلّ محكمة أمن الدولة وإحالة الاختصاص في جميع القضايا المنظورة أمامها إلى محاكم مدنية مستقلة ومحايدة تلتزم التزامًا كاملًا بضمانات المحاكمة العادلة، وذلك وفقًا لتوصيات لجنة حقوق الإنسان ولجنة مناهضة التعذيب التابعتين للأمم المتحدة؛
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن كميل الزعبي وجميع الأشخاص المحتجزين تعسفيًا والمستهدفين بسبب ممارستهم لحقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت، وضمان جبر الضرر الكامل عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرضوا لها.
إلى المملكة العربية السعودية:
- إلغاء نظام مكافحة الإرهاب أو تعديله تعديلًا جذريًا بما يتوافق مع المعايير الدولية، بما في ذلك حذف المصطلحات الغامضة والمفرطة العمومية، مثل "الإخلال بالنظام العام"، و"زعزعة الأمن الوطني"، و"تعريض الوحدة الوطنية للخطر"، و"تعطيل النظام الأساسي للحكم"، وهي مصطلحات لا تستوفي متطلبات الشرعية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان؛
- إلغاء المادة 43 من نظام مكافحة الإرهاب التي تُجرّم استخدام المنصات الإلكترونية والأجهزة الرقمية فيما يتصل بجرائم إرهابية مُعرَّفة على نحو غامض، بما يترتب عليه من تأثير غير متناسب على المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يمارسون حقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت؛
- إلغاء المادة 44 من نظام مكافحة الإرهاب، التي تُجرّم بث أو نشر "الشائعات الكاذبة أو المغرضة" فيما يتعلق بجرائم إرهابية مُعرَّفة على نحو فضفاض، وذلك وفقًا للإعلان المشترك لعام 2017 بشأن حرية التعبير و«الأخبار الزائفة» والتضليل والدعاية؛
- إلغاء نظام الجرائم المعلوماتية أو تعديله تعديلًا جوهريًا، ولا سيما المادتين 6(1) و7(1)، بما يضمن أن يقتصر تجريم التعبير عبر الإنترنت على الأفعال التي تستوفي المعايير الدولية للشرعية والضرورة والتناسب، وأن تُصاغ أحكامه بدرجة كافية من الدقة تُمكّن الأفراد من توقّع العواقب القانونية لأفعالهم؛
- ضمان خضوع رئاسة أمن الدولة والنيابة العامة للرقابة، وامتثال عملهما بشكلٍ كامل لسيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك حظر التعذيب وسوء المعاملة، وضمان الحق في التمثيل القانوني؛
- تفكيك المحكمة الجزائية المتخصصة أو إصلاحها إصلاحًا جذريًا، نظرًا لافتقارها إلى الاستقلال والحياد القضائيين المطلوبين بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولاستخدامها بصورة منهجية في ملاحقة الأفراد بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم وحرياتهم الأساسية استنادًا إلى تهم مكافحة إرهاب لا أساس لها، بما في ذلك من خلال اعتماد آليات شفافة لتعيين القضاة بعيدًا عن السيطرة التنفيذية، وذلك انسجامًا مع توصيات أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة؛
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن مناهل العتيبي وجميع الأشخاص المحتجزين تعسفيًا والمستهدفين بسبب ممارستهم لحقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت، وضمان جبر الضرر الكامل عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرضوا لها.
إلى الإمارات العربية المتحدة:
- إلغاء قانون مكافحة الإرهاب أو تعديله تعديلًا جذريًا بما يتوافق مع المعايير الدولية، بما في ذلك حذف المصطلحات الدائرية التعريف مثل "الجريمة الإرهابية"، و"الغرض الإرهابي"، و"النتيجة الإرهابية"، التي لا تستوفي متطلبات الشرعية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان؛
- إلغاء المادة 15 من قانون مكافحة الإرهاب، التي تُجرّم إعلان العداء للدولة أو عدم الولاء لقيادتها، لكونها تتعارض مع الحق في حرية التعبير والرأي بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان؛
- إلغاء قانون الجرائم الإلكترونية أو تعديله تعديلًا جوهريًا، ولا سيما المواد 20 و21 و22 و23 و24 و52، بما يضمن توافق تجريم التعبير عبر الإنترنت مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن يقتصر بشكل صارم على الأفعال التي تستوفي المعايير الدولية للشرعية والضرورة والتناسب؛
- إلغاء الأحكام التي تُجرّم "المحتوى غير القانوني" و"البيانات الزائفة" و"الشائعات"، بما في ذلك المادة 52 من قانون الجرائم الإلكترونية، وذلك وفقًا للإعلان المشترك لعام 2017 بشأن حرية التعبير و«الأخبار الزائفة» والتضليل والدعاية؛
- إلغاء المادة 174 من قانون العقوبات، التي تفرض مسؤولية جنائية قد تكون غير محدودة، بما في ذلك السجن المؤبد وعقوبة الإعدام، عن الأفعال المرتكبة ضد دول أجنبية عبر الكتابة أو الخطاب أو الوسائل التكنولوجية من دون النص على حد أقصى للعقوبة، وذلك بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان المتعلقة بحرية التعبير؛
- تفكيك جهاز أمن الدولة أو إصلاحه إصلاحًا جذريًا، نظرًا لعمله بصلاحيات غامضة ومفرطة العمومية، وافتقاره إلى الشفافية والمساءلة، ولاستخدامه بصورة منهجية في الاحتجاز التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري بحق الأفراد الذين يمارسون حقوقهم وحرياتهم الأساسية، بما في ذلك حقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت؛
- ضمان امتثال عمل جهاز أمن الدولة، ونيابة أمن الدولة، والنيابة الاتحادية لمكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، والمحاكم المختصة بقضايا أمن الدولة، بشكلٍ كامل لسيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك حظر التعذيب وسوء المعاملة، والحق في التمثيل القانوني، والحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة ومحايدة؛
- ضمان إخضاع السلطة التقديرية الممنوحة للنائب العام لإحالة القضايا إلى النيابة الاتحادية لمكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية لمعايير قانونية واضحة ورقابة مستقلة، وضمان تمتع الأفراد الذين يخضعون للتحقيق أو الملاحقة القضائية أمام هذه الجهة بسبب تعبيرهم عبر الإنترنت بكامل الضمانات الإجرائية المكفولة لهم بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان؛
- الإفراج الفوري عن عبد الرحمن القرضاوي وجميع الأشخاص المحتجزين تعسفيًا والمستهدفين بسبب ممارستهم لحقهم في حرية التعبير، وضمان جبر الضرر الكامل عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرضوا لها.
إلى إسرائيل:
- إلغاء المادة 24 من قانون مكافحة الإرهاب أو تعديلها تعديلًا جذريًا، بما في ذلك التعديل الصادر في نوفمبر 2023 الذي استحدث جريمة "الاستهلاك المنهجي والمتواصل لمنشورات منظمة إرهابية"، بما يضمن توافق تجريم الأفعال المرتبطة بالتعبير مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وعدم تطبيقها بصورة تمييزية ضد الفلسطينيين؛
- إلغاء قانون تجريم إنكار أحداث 7 أكتوبر لعام 2025، الذي يُجرّم إنكار "أحداث المجزرة" بصياغات غامضة ومفرطة العمومية لا تستوفي متطلبات الشرعية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، والذي قد يطال تعبيرات مشروعة عن دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير أو معارضة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة؛
- إلغاء قانون ترحيل عائلات الإرهابيين لعام 2024، وتعديل المادة 11 من قانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل لعام 2022، بالقدر الذي يفرضان فيه عواقب، بما في ذلك الترحيل وحرمان الأفراد أو أفراد أسرهم من الإقامة، على أساس جرائم مرتبطة بالتعبير بموجب قانون مكافحة الإرهاب، نظرًا لما تفرضه هذه التدابير من قيود غير متناسبة على حرية التعبير وتعارضها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان؛
- الوقف الفوري للاستخدام المنهجي للمادة 24 من قانون مكافحة الإرهاب في توقيف المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل واستجوابهم وملاحقتهم بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو رسائل خاصة، أو غيرها من أشكال التعبير عبر الإنترنت التي تُعد خطابًا محميًا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان؛
- ضمان عدم إخضاع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة لتطبيق تمييزي للجرائم الأمنية المرتبطة بالتعبير؛
- ضمان أن تتوقف وكالة الأمن الإسرائيلية والشرطة الإسرائيلية، بما في ذلك فرقة العمل المنشأة لمكافحة ما يُزعم أنه تحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، عن المراقبة والاعتقال التمييزي وغير المتناسب للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب جرائم مرتبطة بالتعبير، وإخضاع جميع عمليات مراقبة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات الخاصة لرقابة قضائية مستقلة؛
- وضع حد لمحاكمة الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة أمام المحاكم العسكرية بسبب جرائم مرتبطة بالتعبير، بما يتوافق مع معايير الاستقلال والحياد المطلوبة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والحق في محاكمة عادلة؛
- الإفراج الفوري عن جميع الفلسطينيين المحتجزين فقط بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير، عبر الإنترنت وخارجه، وضمان جبر الضرر الكامل عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرضوا لها.