26 مارس 2026
1. الخلفية
تم استغلال أنظمة المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) على مدى سنواتٍ عديدة لاستهداف المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ولتيسير ممارسات القمع العابر للحدود الوطنية. ويُساءُ في كثير من الأحيان استخدام النشرات الحمراء الصادرة عن الإنتربول — وهي طلبات تُوجَّه إلى أجهزة إنفاذ القانون في مختلف أنحاء العالم لتحديد مكان أشخاصٍ وتوقيفهم مؤقتاً بانتظار تسليمهم — من قبل دول قمعية لملاحقة نشطاء عبر الحدود، ما يعرّضهم لخطر الإعادة القسرية إلى بلدان يواجهون فيها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، يُقصد بالقمع العابر للحدود الوطنية «الأفعال التي تنفذها دولة ما، أو توجّه تنفيذها، أو ينفذها وكلاؤها، بهدف ردع أو إسكات أو معاقبة المعارضة أو الانتقاد أو المناصرة الحقوقية الموجّهة تجاه هذه الدولة، والصادرة من خارج إقليمها». وغالباً ما تستهدف هذه الأفعال فاعلين في المجتمع المدني في الخارج، بمن فيهم المدافعون عن حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، والصحفيون، والمعارضون السلميون، فضلاً عن أفراد أسرهم أو شركائهم الذين بقوا في الدولة القمعية.
ويُعدّ القمع العابر للحدود الوطنية أحد الأولويات الموضوعية لدى منّا لحقوق الإنسان إذ نوثّق حالات انتهاك حقوق الإنسان التي تندرج ضمن أساليب القمع عبر الحدود، المرتكبة على أيدي سلطات الدول، والهيئات الإقليمية، والمنظمات الدولية. كما نمثّل ضحايا هذه الانتهاكات أمام الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، بما في ذلك هيئات معاهدات الأمم المتحدة والإجراءات الخاصة. وحرصًا منّا على عدم تكرار هذه الانتهاكات، ونحدد الأنماط والأسباب الجذرية للقمع العابر للحدود الوطنية، ونعرض نتائجنا على الجهات المعنية ذات الصلة للدعوة إلى إدخال إصلاحاتٍ قانونية وسياساتية.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2025، وثّقت المجموعة حالات 27 فرداً ومنظمةً استُهدفوا بأفعال تندرج ضمن القمع العابر للحدود الوطنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وعادةً ما تشمل الحالات الموثّقة دولتين: الدولة الطالبة (وغالباً ما تكون دولة المنشأ)، والدولة المطلوب منها التنفيذ أو الدولة المشاركة. وتشمل الحوادث المسجّلة إجراءات تسليم ذات دوافع سياسية، ومحاكمات جنائية غيابية، وعمليات اختطاف وترحيل، وإدراجاً على قوائم الإرهاب، وفرض عقوباتٍ إدارية، وحالة قتل واحدة. وتم استهداف الأفراد والمؤسسات المتضررة على خلفية معارضتهم السلمية، أو انتقاداتهم السياسية، أو نشاطهم في الدفاع عن حقوق الإنسان، أو مشاركتهم في احتجاجاتٍ سلمية.
2. كيف ييسّر الإنتربول القمع العابر للحدود الوطنية
2.1 ولاية الإنتربول ونظام النشرات الحمراء
المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) هي منظمة حكومية دولية تضم في عضويتها 196 دولةً، وتهدف إلى ضمان وتعزيز التعاون المتبادل بين سلطات الشرطة الجنائية، وإلى إنشاء وتطوير كافة المؤسسات التي من شأنها المساهمة بفعالية في الوقاية من جرائم القانون العام وقمعها.
وبموجب المادتين 2 (1) و3 من القانون الأساسي للإنتربول، تعمل المنظمة بروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا يجوز استخدامها «للقيام بأي تدخل أو نشاط ذي طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عرقي». ويحظر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التعذيب، والاعتقال والاحتجاز التعسفيين، والتمييز، بما في ذلك التمييز على أساس سياسي، كما يكفل حقوق حرية الفكر والوجدان والدين، وحرية الرأي والتعبير، وحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.
وتُعدّ نشرات الإنتربول طلبات دولية للتعاون تصدرها الأمانة العامة للإنتربول بناءً على طلب الدول الأعضاء. وتهدف النشرات الحمراء إلى تحديد مكان الأشخاص المطلوبين للملاحقة القضائية أو لتنفيذ حكمٍ قضائي صادر بحقّهم، وتوقيفهم توقيفاً مؤقتاً إلى حين تسليمهم أو نقلهم أو اتخاذ إجراءٍ قانونيٍّ مماثل بحقهم.
ويجوز للأشخاص المدرجة أسماؤهم في النشرات الحمراء أن يطلبوا شطبها أمام لجنة الرقابة على محفوظات الإنتربول، وهي هيئة مستقلة مخوّلة بمراجعة البيانات الواردة في النشرات الحمراء وإزالتها إذا تبيّن أنها تخالف القانون الأساسي للإنتربول. كما يجوز لفريق الإنتربول المتخصص المعني بالنشرات والتعاميم، وهو آلية أنشأها الأمين العام للإنتربول عام 2016، أن يراجع بشكلٍ أحادي مدى امتثال النشرات لأحكام القانون الأساسي، بما في ذلك تقييم وضع الشخص المعني، ولا سيما ما إذا كان يُعتبر ناشطاً سياسياً.
2.2 أوجه القصور النظمية والشواغل المتعلقة بحقوق الإنسان
تم استغلال أنظمة الإنتربول لاستهداف المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ولتيسير ممارسات القمع العابر للحدود الوطنية لسنواتٍ عديدة. وغالباً ما يُساءُ استخدام النشرات الحمراء من قبل دول قمعية لملاحقة نشطاء عبر الحدود، ما يعرّضهم لخطر تسليمهم إلى بلدان يواجهون فيها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب، والاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري.
وغالباً ما يظلّ الأشخاص المستهدفون بنشراتٍ حمراء تعسفية غير مدركين لوجودها إلى أن يتم توقيفهم، وقد أشار منتقدون إلى أن المتضررين لا يُكفل لهم الحق في جلسة استماع، ولا في الاطلاع على الأدلة التي تقدمها الحكومات ضدهم، ولا في الطعن في قرارات لجنة الرقابة على المحفوظات.
وعملياً، انخرطت منّا لحقوق الإنسان في مناسبات متعددة مع الإنتربول عبر تقديم طلبات للاطلاع على البيانات المُعالجة ضمن نظام معلومات الإنتربول، أو لتصحيحها و/أو حذفها، أمام لجنة الرقابة على المحفوظات، وذلك نيابةً عن نشطاء ومعارضين سلميين ومدافعين عن حقوق الإنسان استُهدفوا بنشراتٍ ذات دوافع سياسية و/أو غير متوافقة مع معايير حقوق الإنسان وتنتهك القانون الأساسي للإنتربول.
ويثير نظام المراجعة المعتمد لدى لجنة الرقابة على المحفوظات عدة شواغل. أولاً، نظراً لأن الأشخاص المستهدفين بنشرات الإنتربول يُوقَفون ويُعرَّضون لخطر وشيك بالتسليم إلى بلدان يواجهون فيها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فإن قضاياهم تتسم بطابع الاستعجال. لذا يتعيّن شطب النشرة الصادرة بحقهم في أقرب وقتٍ ممكن، وذلك لمنع انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية. إلا أنّ الممارسة العملية تُظهر، بعد تقديم طلبات الاطلاع أو التصحيح أو الحذف نيابةً عن المستهدفين بنشراتٍ تعسفية، وجود تأخير مفرط في صدور قرارات لجنة الرقابة، إذ تستغرق الإجراءات عادةً عدة أشهر.
ثانياً، وعملاً بالنظام الأساسي للجنة، لا يُتاح لمقدّمي الطلبات التماس تدابير مؤقتة في الحالات المستعجلة، الأمر الذي يحول دون شطب النشرات أو تعليقها مؤقتاً بما يتيح تأجيل إجراءات التسليم بحق الشخص المستهدف، أو الإفراج عنه من الاحتجاز ريثما يُبتّ في طلب تسليمه.
ونتيجة لذلك، قد يُحتجز الأشخاص المستهدفون بنشرات الإنتربول لأشهرٍ استناداً إلى نشرة حمراء، في انتظار مراجعة لجنة الرقابة، أو قد يُسلَّمون إلى بلدانٍ يواجهون فيها انتهاكاتٍ جسيمة لحقوق الإنسان قبل أن تصدر اللجنة قرارها.
2.3 حالات موثّقة لقمعٍ مكّنه الإنتربول
سجّلت حالاتُ القمع العابر للحدود الوطنية التي وثّقتها «منّا لحقوق الإنسان» إدراجَ أربعة أفراد في نشرات حمراء صادرة عن المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، وهو ما عرّضهم لخطر التسليم على نحوٍ ينتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية.
أُلقي القبض على محمد الكيالي، وهو مدافع سوري عن حقوق الإنسان، في تركيا في كانون الأول/ديسمبر 2024، استناداً إلى نشرة حمراء طلبت إصدارها السلطات السعودية عام 2016. وعقب نداء عاجل قدّمته منّا لحقوق الإنسان، وجّهت الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة بلاغاً إلى السلطات التركية أعربت فيه عن قلقها إزاء احتجازه وخطر تسليمه إلى السعودية، حيث يواجه خطراً جدياً بالتعرّض للتعذيب وسوء المعاملة. عندئذٍ، أُفرج عن الكيالي.
وفي كانون الثاني/يناير 2022، وبعد توقيفه في صربيا على أساس نشرة حمراء صادرة عن الإنتربول، جرى تسليم المعارض البحريني وطالب اللجوء أحمد جعفر محمد علي إلى البحرين، رغم التدابير المؤقتة الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي أشارت إلى خطر التعرّض للتعذيب ودعت السلطات الصربية إلى وقف إجراءات التسليم.
كما أُلقي القبض على المواطن الصيني والمسلم الإيغوري إدريس حسن (يُعرف أيضاً باسم يدرِسي عيشان) في المغرب في تموز/يوليو 2021، استناداً إلى نشرة حمراء بطلب من الحكومة الصينية. وعلى الرغم من سحب الإنتربول للنشرة لاحقاً، استمرّت السلطات المغربية على احتجازه على خلفية طلب التسليم إلى أن أُفرج عنه أخيراً في شباط/فبراير 2025. وعقب شكوى قدّمتها منّا لحقوق الإنسان، أعلن الفريق العامل الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي أن احتجاز إدريس حسن يعدّ تعسّفيًا بموجب القانون الدولي.
أما أسامة الحسني، وهو مواطن أسترالي–سعودي، فقد أُلقي القبض عليه في شباط/فبراير 2021 في المغرب بناءً على نشرة حمراء صادرة بطلب من السعودية. وعندما قضت محكمة النقض المغربية في آذار/مارس 2021 بتأييد تسليمه، تقدّمت منّا لحقوق الإنسان بطلب تدابير مؤقتة أمام لجنة مناهضة التعذيب، استناداً إلى احتمال انتهاك المغرب لمبدأ عدم الإعادة القسرية. ورغم طلب اللجنة الامتناع عن تسليم الحسني، أقدمت السلطات المغربية على تسليمه إلى السعودية، حيث لا يزال محتجزاً تعسفياً.
2.4 تعديلات النظام الأساسي للجنة الرقابة على محفوظات الإنتربول لعام 2025
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وخلال الدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة للإنتربول، أُقرت تعديلات على النظام الأساسي للجنة الرقابة على محفوظات الإنتربول. دعت المنظمة الجهات المعنية إلى إبداء ملاحظاتها بشأن التعديلات المقترحة قبل اعتمادها، وقدّمت منّا لحقوق الإنسان مساهمة خطية حدّدت فيها عدّة شواغل وقدّمت توصيات ملموسة لتعزيز الضمانات ضد إساءة الاستخدام.
ومن بين الشواغل الرئيسية التي أُثيرت، حذّرت منّا لحقوق الإنسان من أن مشروع التعديلات من شأنه توسيع دور الأمانة العامة للإنتربول في تقييم الطلبات قبل أن تتمكن لجنة الرقابة من إجراء مراجعتها المستقلة. ويثير ذلك القلق نظراً إلى أن الأمانة العامة لا تتمتع بالاستقلالية الكاملة، إذ تخضع لإشراف الدول الأعضاء، وبعضها مسؤول عن النشرات التعسفية المطعون فيها من قبل مقدّمي الطلبات، بمن فيهم منظمات المجتمع المدني. ورأت منّا لحقوق الإنسان أن ذلك من شأنه تقويض قدرة اللجنة على إجراء مراجعة مستقلة.
كما أعربت المجموعة عن قلقها إزاء المادة 28 (3) المقترحة، التي تخوّل اللجنة رفض الطلبات التي تُعتبر «مسيئة أو غير لائقة أو سيئة النية»، دون تحديد واضح لمعيار هذا الوصف أو اشتراط إخطار مقدّمي الطلبات بأسباب القرار. وحذّرت من أن ذلك قد يؤدي إلى الإضرار بطالبي الإنصاف الحقيقيين الذين يطعنون في نشرات ذات دوافع سياسية.
وقد عكست الصيغة المعدّلة للنظام الأساسي التوصية الرئيسية لمنّا لحقوق الإنسان بشأن المادة 28، من خلال إضافة فقرة جديدة تُلزم اللجنة بإخطار مقدّمي الطلبات وبيان أسباب قراراتها المتخذة بموجب المادة 28 (3)، بما في ذلك قرارات رفض الطلبات لكونها مسيئة. إلا أن توصيات أخرى قدّمتها منّا لحقوق الإنسان، بما في ذلك اقتراح إنشاء آلية استئناف لمقدمي الطلبات الذين تُرفض طلباتهم باعتبارها مسيئة، لم تُعتمد.
علاوةً على ذلك، أدخلت التعديلات أحكاماً إشكالية أخرى تمسّ باستقلال لجنة الرقابة. فالمادة 33 (5) تشترط أن تنظر اللجنة في الشكاوى المتعلقة بطلبات نشرات حمراء جديدة فقط بعد أن تقرر الأمانة العامة مدى امتثال هذه الطلبات، ما يتيح إصدار النشرات قبل أن تستطيع اللجنة التدخل. كما لم تعالج التعديلات المشكلات النظمية المتعلقة بالتأخير المفرط في عملية المراجعة التي تقوم بها اللجنة، ولا غياب آلية للتدابير المؤقتة وهي مسألة أشارت إليها منّا لحقوق الإنسان.
2.5 التعاون مع مجلس وزراء الداخلية العرب
في عام 1999، وقّعت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) مذكرة تفاهم مع مجلس وزراء الداخلية العرب. ويُشار إلى المجلس أحياناً، على نحو مضلِّل، باسم «الإنتربول العربي»، وهو جهاز تابع لجامعة الدول العربية يُعنى بتعزيز التعاون بين الدول العربية في مجالات الأمن الداخلي والوقاية من الجريمة. ويعمّم المجلس مذكرات التوقيف الصادرة بطلب من الدول الأعضاء، وييسّر تسليم الأشخاص المطلوبين من خلال قسم الملاحقة الجنائية والبيانات.
وفي عام 2022، أبرم الإنتربول ومجلس وزراء الداخلية العرب اتفاق تعاون جديداً حلّ محل مذكرة التفاهم لعام 1999، بهدف «توسيع نطاق تعاونهما المستقبلي». ويهدف الاتفاق إلى تعزيز وتطوير التعاون والتنسيق في مجال التعاون الشرطي ومكافحة الجريمة، وضمان التنسيق وتفادي الازدواجية في تنفيذ ولاياتهما ومشاريعهما، ووضع إطار قانوني ينظّم تبادل البيانات والمعلومات بين الإنتربول والأمانة العامة للمجلس.
وتشير ديباجة اتفاق 2022 إلى القانون الأساسي للإنتربول، بما في ذلك التزام الإنتربول بالعمل «في روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، وتؤكد «الحظر الصارم على أي تدخل أو نشاط ذي طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عرقي». كما تنص المذكرة على أن تبادل البيانات يتم «مع الاحترام الواجب للقوانين الوطنية، والقانون الدولي، وولايات الإنتربول والمجلس وقواعدهما وأنظمتهما ذات الصلة».
وعندما استفسرت منّا لحقوق الإنسان عن هذا التعاون في عام 2023، أفاد المتحدث باسم الإنتربول بأن لكل من الإنتربول والمجلس قاعدة بياناته وإطاره القانوني الخاص، ولا يجوز لأي من الهيئتين فرض إجراءات محددة بشأن الأشخاص المطلوبين على الهيئة الأخرى. ووفقاً للتقارير، إذا تواصلت الدول الأعضاء في المجلس مع المجلس أو استخدمت قنواته فيما يتعلّق بالأفراد، فإن الإنتربول لا يشارك بأي شكلٍ من الأشكال، ولا يملك أي سلطة للتدخل. كما أُوضح المتحدث أن الإنتربول لا يعمل مباشرةً مع المجلس بشأن النشرات أو التعميمات، والإشارة إلى مصطلح "التعاون التقني" في مذكرة التفاهم ما هي إلا صياغة معيارية شائعة في مذكرات التفاهم والاتفاقيات.
غير أن هذه الأحكام والضمانات لا تعالج الإشكاليات الهيكلية الجوهرية. فعلى الرغم من الإشارة في ديباجة الاتفاق إلى مبادئ حقوق الإنسان، يفتقر مجلس وزراء الداخلية العرب إلى آلية فعالة لضمان الامتثال لهذه المبادئ. كما أنه، ورغم تشابه نظام تعميم مذكرات التوقيف لدى المجلس مع ممارسات الإنتربول، إن المجلس يفتقر إلى هيئة مستقلة مماثلة للجنة رقابة المحفوظات أو لفريق الإنتربول المتخصص المعني بالنشرات والتعاميم، أو إلى أي آلية رقابة مستقلة قادرة على التخلص من أي إساءة استخدام لأنظمة المجلس.
ووفقاً لما ذُكر عن مجلس وزراء الداخلية العرب، فقد أنشأ لجنة قانونية قد تتيح ولايتها للفرد إمكانية الطعن في مذكرات التوقيف. غير أن الإجراءات الفعلية لممارسة هذا الحق تظل غير واضحة وتفتقر إلى الشفافية وسهولة الوصول. كما تضم هذه اللجنة ممثلين عن الدول الأعضاء، ما يثير شواغل إزاء حياد اللجنة واستقلالية عملها. ووفقاً لما وثّقته منّا لحقوق الإنسان، لا يتمكّن الأشخاص المستهدفون بمذكرات توقيف معمّمة عبر المجلس والمعرّضون لخطر التسليم من تقديم طلبات للاطلاع على البيانات أو المطالبة بشطب المذكرات الصادرة بحقهم.
علاوةً على ذلك، وعملاً باتفاق التعاون المبرم عام 2022 بين الإنتربول والمجلس، فإن تزويد الإنتربول للمجلس بالبيانات مشروط بالامتثال لقانون الإنتربول الأساسي وقواعد الإنتربول وأنظمته، في حين يخضع تزويد المجلس للإنتربول بالبيانات لمدى امتثالها لدستور المجلس وقواعد المجلس وأنظمته. ويثير ذلك قلقاً خاصاً بالنظر إلى أن النظام الأساسي لمجلس وزراء الداخلية العرب لا يشير إلى معايير حقوق الإنسان.
كما يتضمن الإطار القانوني للمجلس صكوكاً من قبيل «اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي». ورغم أن هذه الاتفاقية تنص على حظر التسليم في الجرائم السياسية، فإنها تستثني عدداً من الجرائم من وصفها بالسياسية، وتجيز التسليم في قضايا العيب في الذات الملكية أو إهانة الملوك أو رؤساء الدول. فإن هذا التفسير الضيّق لمفهوم الجرائم السياسية يفسح المجال أمام القمع العابر للحدود من خلال تسليم أفراد لأغراضٍ سياسية، ما يعارض صراحةً قانون الإنتربول الأساسي.
وخلال الفترة بين عامي 2022 و2025، وثّقت منّا لحقوق الإنسان ثماني حالات فردية من القمع العابر للحدود تمثلت في عمليات تسليم ذات طابع سياسي بين دول أعضاء في جامعة الدول العربية. وشملت جميع الحالات معارضين سلميين أو محتجين أو أفراداً من أقليات دينية واجهوا خطر الإعادة القسرية إلى دول عربية يُحتمل أن يتعرضوا فيها لانتهاكاتٍ جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاختفاء القسري. وضمت الدول الطالبة والمطلوب منها التسليم كلاً من مصر، والأردن، ولبنان، والمغرب، والسعودية، وسوريا، والإمارات العربية المتحدة. وقد جرى تسليم خمسة أفراد، وتعرّضوا لاحقاً للاحتجاز التعسفي أو الاختفاء القسري في الدولة الطالبة، في حين أُفرج عن شخصين ويعيشان في المنفى، ولا يزال شخص واحد رهن الاختفاء القسري ويواجه خطراً وشيكاً بالتسليم.
وقد أثار دور المجلس في القمع العابر للحدود مخاوف جدية لدى خبراء الأمم المتحدة المعنيين بحقوق الإنسان، بمن فيهم المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب، ولجنة مناهضة التعذيب، فضلاً عن منظمات المجتمع المدني.
3.الخلاصة والتوصيات
بناءً على ما تقدّم، تطرح منّا لحقوق الإنسان التوصيات التالية:
إلى الدول:
الكفّ عن إساءة استخدام أنظمة الإنتربول لاستهداف الأفراد لأسبابٍ سياسية و/أو بسبب ممارستهم لحقوقهم وحرياتهم الأساسية؛
إجراء عمليات تقييم مستقلة لمدى امتثال النشرات الحمراء الصادرة عن الإنتربول للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية ومبدأ عدم التمييز.
إلى الإنتربول:
تعزيز أنظمة المراجعة والامتثال لضمان عدم استهداف الأفراد بنشرات الإنتربول لأسبابٍ سياسية، أو بسبب ممارستهم لحقوقهم وحرياتهم الأساسية، أو بما يخالف القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية؛
استحداث إجراء رسمي يتيح لمقدّمي الطلبات التماس تدابير مؤقتة في الحالات المستعجلة، على غرار الممارسات المعتمدة لدى لجنة مناهضة التعذيب واللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعتين للأمم المتحدة، بما يكفل إمكانية شطب النشرات أو تعليقها فوراً (ولو بصفة مؤقتة) لتأجيل إجراءات التسليم أو الإفراج عن الشخص المستهدف من الاحتجاز إلى حين البت في طلب تسليمه؛
تعليق التعاون مع مجلس وزراء الداخلية العرب أو إصلاحه إلى حين قيام الجهاز التابع لجامعة الدول العربية بإنشاء آلية رقابة مستقلة مماثلة للجنة رقابة محفوظات الإنتربول، تتمتع بصلاحية مراجعة مذكرات التوقيف ذات الدوافع السياسية وشطبها، وتكفل للأشخاص المستهدفين حق الطعن في المذكرات الصادرة بحقهم.